No Result
View All Result
حمزة حرب
تشهد سوريا مؤخراً تصاعداً في مظاهر التشدد الديني والقيود الاجتماعية، لا سيما في دمشق حيث أصدرت السلطات قرارات بمنع المشروبات الكحولية في مناطق واسعة من العاصمة دمشق واقتصارها على أحياء بعينها كباب توما على سبيل المثال، هذا القرار تجاوز أنه متعلق بالمشروبات الكحولية سيما وأنه تزامن مع انتشار واسع لما سمي بدعوات “الاحتشام” بحق النساء، وتقييد حرياتهن الفردية في الجامعات والأماكن العامة علاوة على توزيع واسع لكتب سلفية متشددة، ما يعزز المخاوف من تقييد الحريات الفردية وتغيير النسيج الاجتماعي بعد سنوات الحرب خصوصاً مع تنامي المخاطر والتحذيرات من عودة داعش لبسط هيمنته وسطوته وترتيب صفوفه مجدداً.
فبعد إعلان قوات سوريا الديمقراطية والولايات المتحدة الأمريكية الانتصارَ على مرتزقة داعش إثر السيطرة على آخر معاقل المرتزقة في بلدة الباغوز شرقي بريف دير الزور في آذار 2019، ثم تَمكُّن الولايات المتحدة قتل متزعمهم أبو بكر البغدادي في نهاية تشرين الأول 2019 في ريف إدلب، تتجدد التحذيرات من مخاطر عودة داعش في سوريا في ظل حالة الفوضى والتصارع على الأرض السورية بين قوى عدة، سورية وإقليمية ودولية وانتشار واسع لأصوات التشدد داخل الحكومة وخارجها ما يسلب المجتمع السوري حرياته ويضعه عرضة مباشرة امام شبح عودة داعش مجدداً.
تصاعد في وتيرة التشدد
استيقظ السوريون يوم الاثنين 18 آذار 2026 على قرار مفاجئ لمحافظ دمشق، حيث أعلن أنه تقرر منع تقديم المشروبات الروحية في المطاعم والملاهي الليلية في مدينة دمشق، بهدف ما أسماه البيان التخلص من الظواهر المخلة بالآداب العامة، لكن البيان أوضح أن السماح ببيع المشروبات الروحية يشمل حصراً مناطق باب توما، والقصاع، وباب شرقي، وهي مناطق ذات أغلبية مسيحية، وذلك في المحلات المخصصة بأساس رخصة البناء التجاري فأمهلت سلطات دمشق متاجر بيع الكحول ثلاثة أشهر للامتثال للقواعد الجديدة.
القرار الذي صدر عن محافظة دمشق والقاضي بمنع تقديم المشروبات الروحية إعلان صريح بأن سوريا تدخل مرحلة جديدة، حيث يُختبر المجتمع بين هويته المحافظة وضروراته الاقتصادية. القرار بدا وكأنه حجر صغير أُلقي في ماء راكد، لكنه سرعان ما كشف عن دوائر أوسع من الجدل والخوف مفتوحا على كل الاحتمالات.
فدمشق عاصمة سوريا وهي مدينة تتسع لكل الألوان، وجدت نفسها فجأة أمام صياغة الحياة العامة وفق معايير أكثر تشدداً فالفنادق الكبرى مثل الفورسيزنز والشيراتون والداما روز لم يشملها القرار بعد، لكنها تقف اليوم تحت المجهر لأنها فنادق أصلاً تعتمد على السياحة الدولية وتقديم الكحول جزءاً من خدماتها الأساسية، وهي تدرك أن أي منع كامل سيعني خسارة فادحة في جاذبية العاصمة للسياح الأجانب، وضربة مباشرة لقطاع اقتصادي يحتاجه البلد بشدة ناهيك عن أن الملف متعلق بالحريات الفردية التي من المفترض أن يصونها القانون.
الخوف الحقيقي ليس في زجاجة الخمر إن بيعت أم لا، بل في الحرية التي قد تُقيد وفي مستقبل تُرسم ملامحه بقرارات متشددة تتجاوز حدود الكأس، فبالتوازي مع هذا القرار نتابع قرارات أخرى على غرار منع الاختلاط في الجامعات والأماكن العامة، وفرض الحجاب على النساء، وتقييد الحريات الفردية تحت شعار “حماية الآداب العامة”.
فهل هذه القرارات هي ما يحتاجها السوريون اليوم بعد أكثر من 15 عاماً من الأزمة التي دمرت كل شيء، وهل هذا ما بحثوا عنه عندما خرجوا بالثورة عام 2011 وأول كلمة صدحت بها حناجرهم هي “حرية” فأين الحرية من كل هذه القرارات، التي يواجها السوريون بكل توجس وريبة؟ هذه المخاوف ليست مجرد أوهام، بل جدية لأنها ترتبط بسياق اجتماعي وسياسي أوسع حيث يمكن أن تتحول خطوة منع الخمور وفرض الحجاب تحت يافطة الاحتشام إلى جزء من مشروع لإعادة صياغة المجتمع وفق رؤية أكثر تشدداً.
بيئة رطبة لداعش
هذه الممارسات وربطها بالتحركات الميدانية لمرتزقة داعش تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن التنظيم يسعى لإعادة لملمة أوراقه وإعادة ترتيب صفوفه خصوصاً بعد أن تخاذل المجتمع الدولي في إنهاء هذا الملف بشكل كامل، وسلم ملف داعش للحكومة التي تراخت بحله، فمخيم الهول أُخرِج قاطنوه طلقاء.
ففي السابق تحدثت تقارير موثوقة عن أن قسد تحتجز قرابة خمسة عشر ألف عنصر ومتزعمين من “داعش” في مراكز احتجاز بشمال وشرق سوريا، إضافة إلى نحو 70 ألفاً من عائلاتهم في مخيم الهول بالحسكة، فيما بقي المئات من عناصر داعش متوارين في مناطق شاسعة على شكل “خلايا نائمة” فالخطر كان موجوداً، فاقمه إخراج هؤلاء من المخيمات ومراكز الاحتجاز، وهو ما استغله داعش الإرهابي.
تقديرات شبه رسمية أكدت إن 1500 سجين من مرتزقة داعش فروا من سجن في بلدة الشدادي، بينما أعلنت وزارة الداخلية السورية، أن نحو 120 معتقلاً فروا من سجن كان خاضعاً لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية وتم القبض على 81 منهم، فالحكومة تتعمد في مواقفها الرسمية تخفيف الأرقام وتخفيف حدة التحذيرات من خطر داعش، وهو ما يتوجس منه الغرب خيفة أن يكون نابعاً من تعاطفٍ أيديولوجي.
ومؤخراً بدأت تحذيرات غربية تتنامى من احتمال عودة نشاط داعش الإرهابي إذا لم تتخذ القوات الحكومية في دمشق جميع الإجراءات الأمنية الضرورية فمن الممكن أن يعاد إحياء داعش مجدداً، سيما وإن داعش اليوم لا يوجد قيود على حركته وتحركه وبات قادراً على إعادة إنعاش نفسه مجدداً وسط بيئة يراها خصبة ورطبة لانتشاره.
مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية تولسي غابارد بدورها كانت قد أشارت لهذا الملف المعقد: “من المرجح أن داعش في سوريا يسعى إلى إعادة صفوفه من خلال تجنيد مئات من معتقلي داعش وآلاف النساء والأطفال المرتبطين به، والذين أُطلق سراحهم أو فروا من السجون والمخيمات، التي كانت تديرها قوات سوريا الديمقراطية سابقاً وأصبحت تحت سيطرة الحكومة المؤقتة في شمال شرق سوريا”.
الدول الغربية كفرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية اكتفت بالمطالبات بتجنّب حدوث “فراغ أمني” واستمرار الجهود الدولية في محاربة داعش وذلك على خلفية توتر الوضع في شمال شرق سوريا، خصوصاً مراكز الاحتجاز والمخيمات التي انسحبت منها قواتُ سوريا الديمقراطية تحت ضغط وتخاذلٍ دولي.
ويبدو أنَّ قرار الولايات المتحدة الأمريكية نقل جزء من مرتزقة داعش المعتقلين إلى العراق يشير إلى عدم الثقة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الحكومة المؤقتة السورية، كما يقول أستاذ العلوم السياسية أندريه بانك، وهو خبير في شؤون سوريا بالمعهد الألماني للدراسات العالمية والإقليمية (GIGA) في هامبورغ، فواشنطن ربما لا تشك فقط في قدرات الحكومة اللوجستية، بل توجد مخاوف أيضاً من وجود تعاطف مع مرتزقة داعش في صفوف قوات الأمن السورية، وهو ما يفتح الباب أمام تشكل بيئة مناسبة لعودة التنظيم الإرهابي.
ناهيك عن التقارير التي تتحدث عن وجود عناصر منتمين لداعش أو مؤيدين له ربما ما يزالون في القوات الحكومية ولا تستبعد هذه التقارير احتمال حدوث نوع من الارتباط الأيديولوجي، وربما يؤدي هذا إلى تراجع اهتمام بعض أفراد القوات الحكومية بالمقارنة مع قوات سوريا الديمقراطية في مواجهة خطر مرتزقة داعش.
فهروب مرتزقة داعش من بعض السجون في شمال شرق سوريا يشير حتماً إلى هشاشة الوضع الأمني، كما يكشف عن ثغرات كبيرة في آليات الاحتجاز وإدارة مراكز الاحتجاز، خاصة في ظل تراجع دعم واشنطن المباشر لقسد والاعتماد على الحكومة المؤقتة التي تتراخى في هذا الملف.
سوريا الجديدة.. مخاطر وتحديات
هذه المخاطر أنفة الذكر تفتح الباب على مصراعيه أمام سيناريوهات لا يرغب السوريون في تكرارها كعودة نشاط المجموعات الإرهابية إلى جانب التضييق على الحريات للشعب السوري في ظل انعدام دولة القانون والمؤسسات وحماية الحريات الفردية للشعب السوري تحت عناوين متشددة لا تمت للواقع السوري بصلة.
فشهر العسل الذي دخل به السوريون بعد سقوط النظام، قد انتهى وباتوا اليوم أحوج ما يكونوا إلى الاستقرار وإلى الإعمار والازدهار، الذي وعدت به هذه الحكومة، وهو ما عزز الآمال بإمكان حدوث تحول سياسي حقيقي في البداية حتى أولئك المطلعون على ماضي هيئة تحرير الشام المتشددة، لم يخفوا انبهارهم بالتحول الملحوظ في خطابات الحكومة الجديدة التي بعثت برسائل الانفتاح في البداية لكن على الأرض الممارسات تبدو إنها تأخذ مناحي التشدد المعهود.
هذا التشدد أعاد الى الأذهان مخاطر دفعت السوريين إلى حافة الهاوية في سنواتٍ ماضية واليوم ورغم مرور سنوات على سقوط داعش لكن خطره لا يزال قائماً، وإن كان بشكل مختلف فالمعتقلات والمخيمات لم تكن مجرد بقايا من الماضي، بل كانت بذور لمستقبل خطير إذا لم يتم التعامل معها بحكمة وذلك من خلال تجفيف منابعه المتشددة التي تبدأ بالسلوك الحكومي وصولاً الى الفرد في هذا المجتمع.
ناهيك عن استمرار السياسة التي تنتهجها الحكومة ورغبتها في إعادة دمج عناصر داعش في المجتمع، لفك ارتباطهم عن المرتزقة والتخلص من الأفكار المتطرفة وسحب البساط في المقابل من تحت أقدام داعش من التحكم بهم، بما يسهم في إضعافه، لكن هذا الاعتقاد ما هو إلا ذر الرماد في العيون فالارتباط الأيديولوجي أكبر من أن ينهيه قرار حكومي هنا وهناك، وهو ما فاقم المخاوف الداخلية والخارجية من إمكانية عودة داعش.
فلا يمكن لعاقل أن يتناسى أن سوريا باتت اليوم ساحة معقدة، تتقاطع فيها مصالح قوى محلية ودولية ناهيك، وأن هناك أطرافاً داخل الحكومة وخارجها تحاول خلق بيئة ملائمة لمرتزقة داعش فهذا التعقيد يخلق فراغات أمنية استغلها داعش، وتغلغل من خلالها ليشكل نواة الخطر القادم على المنطقة.
No Result
View All Result