No Result
View All Result
الحسكة/ رغد محمد ـ تفتقر الحكومة السورية المؤقتة إلى نموذج ديمقراطي حقيقي، على عكس مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية التي تبنت نظام الرئاسة المشتركة؛ التجربة الديمقراطية، حيث لا يقتصر الأمر على تقسيم الأدوار القيادية فحسب، بل يشمل أيضاً تحولاً في الذهنيات والسلوكيات نحو مجتمع قائم على المشاركة والمساواة، إذ تمثل أملاً جديداً في بناء سوريا ديمقراطية تعددية، يتشارك فيها الجميع في تحقيق التنمية والحرية.
ويعد نظام الرئاسة المشتركة الذي اتخذته الإدارة الذاتية الديمقراطية في مناطقها، من النماذج السياسية التي تعكس فلسفة جديدة في إدارة الحكم المحلي، ويهدف إلى تمثيل فئات ومكونات المجتمع السوري بشكل عادل ومتساوي، بغض النظر عن الخلفيات العرقية أو الدينية.
يعتمد هذا النظام مبدأ التشاركية والمساواة، حيث يتم تعيين رئيسين مشتركين للسلطة التنفيذية، أحدهما من الرجال والآخر من النساء، ويهدف هذا النموذج إلى ضمان تمثيل حقيقي للمرأة في جميع المناصب القيادية والمؤسسات، ما يعكس أهمية المشاركة المتساوية في عملية صنع القرار.
تجربة فريدة ونموذج ديمقراطي
أُسِّس نظام الرئاسة المشتركة في ظل الإدارة الذاتية بمناطق شمال وشرق سوريا، في وقتٍ كانت فيه سوريا تعيش حالة من الانقسام والصراع المستمر، تمثل الإدارة نموذجاً لتطبيق نظام اللامركزية، حيث تدار المناطق بواسطة هيئات محلية تشرف على مختلف جوانب الحياة اليومية، من التعليم إلى الصحة، إلى الخدمات العامة، ومن خلال هذا النظام استطاعت المنطقة بناء نموذج ديمقراطي جديد يشمل جميع أطياف المجتمع، سواء كانت كردية، عربية، آشورية، سريانية، أو تركمانية، ما ساهم في تعزيز السلم المجتمعي ورفض التهميش والتمييز.
ويُعدّ نظام الرئاسة المشتركة أحد أبرز النماذج الديمقراطية الحديثة التي ظهرت في شمال وشرق سوريا، استجابة لحاجة المجتمع إلى شكل حكم يضمن العدالة والمشاركة ويكسر احتكار السلطة، يقوم هذا النظام على مبدأ تقاسم المسؤولية بين رجل وامرأة في موقع القيادة بدءاً من الكومين وصولاً لكافة المؤسسات، بما يعكس فلسفة سياسية واجتماعية ترى في المساواة أساساً لبناء مجتمع ديمقراطي حقيقي، وتؤمن بأن السلطة يجب أن تكون أداة لخدمة المجتمع لا وسيلة للهيمنة عليه.
وينطلق نظام الرئاسة المشتركة من مفهوم الديمقراطية المجتمعية، التي تضع الإنسان في مركز العملية السياسية، وتعتمد على المشاركة الشعبية واللامركزية هذا النظام لا ينظر إلى القيادة بوصفها سلطة فردية، بل كمسؤولية جماعية تقوم على التعاون، واحترام التنوّع، ونبذ الإقصاء والتمييز، سواء على أساس الجنس أو القومية أو الدين.
وفي هذا السياق، أوضحت الرئيسة المشتركة لاتحاد بلديات إقليم شمال وشرق سوريا “ستير مراد”، خلال لقاء خاص لصحيفتنا “روناهي”، “نظام الرئاسة المشتركة حقق نجاحاً كبيراً في مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية؛ لأنه يعد نموذج ديمقراطي قابل للتطبيق في عموم سوريا، لما يتمتع به من شمولية وتمثيل عادل ومتساوي”. 
وأكدت أن: “نظام الرئاسة المشتركة قدوة في المسؤولية والمساواة، لأنه يعمل على بناء مؤسسات قائمة على المشاركة ومناهضة للتمييز، وهذا يعكس تطلعات المجتمع نحو الحرية والتنمية، وأكيد يجب أن نتحدث عن العلاقة بين الرئيس المشتركة والرئيسة المشتركة التي يجب أن تكون قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون والمسؤولية المشتركة كما نراه في مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية”.
وبينت أن هذا النموذج يعكس الشمولية والانفتاح على التنوع الثقافي والاجتماعي والثقافة المشتركة بحيث لا تتجاوز أن تكون مجرد توزيع مناطق فقط، لكن هي تكون فلسفة حياة ومنهج شامل يهدف إلى دمقرطة المجتمع وبناء علاقات متوازنة “هذا النموذج لا يقتصر فقط على تقاسم الأدوار القيادية لكنه يشمل تحول عميق في الذهنيات والسلوكيات”.
المشاركة الحقيقية
يُعدّ تمثيل المرأة جوهر نظام الرئاسة المشتركة وليس مجرد إضافة شكلية، حيث أتاح للنساء فرصاً تاريخية للمشاركة الحقيقة في كافة مفاصل المنطقة، وكسر الصورة النمطية عن دور المرأة في مجالات عدة كالسياسة التي كانت حكراً على الرجال، حيث أوصل هذا النظام المرأة إلى مواقع صنع القرار والمساهمة في كافة المجالات والدفاع عن قضايا مجتمعية من منظور شامل وإنساني، وهذا ما جعل من الرئاسة المشتركة نموذجاً عملياً لتحقيق المساواة بين الجنسين على أرض الواقع.
وتميّز تطبيق هذا النظام بقدرته على استيعاب التنوّع الثقافي والاجتماعي، حيث شاركت فيه مختلف الشعوب من عرب وكرد وسريان وآشوريين وغيرهم، وقد ساهم في تعزيز السلم الأهلي، تقوية روح الشراكة والانتماء المشترك والحد من النزاعات القائمة على التهميش أو الإقصاء بريادة المرأة العنصر الأساسي في بناء المجتمعات.
وفيما يخص ذلك، نوهت ستير إلى أن “المرأة دائماً هي عنصر الحكمة، وبعاطفتها ووعيها تستطيع أن تنجح في العمل، وأن تساند النساء اللواتي معها، فتقوّي المرأة من حولها وتعزز شخصيتها وثقتها بنفسها، كما نلاحظ أن وجود المرأة إلى جانب الرجل ضمن نظام الرئاسة المشتركة ينعكس قوةً واضحة في الإدارة الذاتية”.
وأضافت: “اكتسبت المرأة، من خلال خوضها تجربة الإدارة الذاتية، مكانة ودوراً فاعلاً داخل المجتمع، حيث استطاعت أن تطوّر قدراتها، وتعزز حضورها في مواقع القرار، وتشارك بشكل حقيقي في إدارة الشأن العام وأسهم هذا الانخراط في تمكين المرأة اجتماعياً وسياسياً، وفي بناء مجتمع يقوم على المشاركة والمساواة”.
وشددت على أن: ” نظام الرئاسة المشتركة يساهم في تحقيق تمثيل أفضل للمجتمع، ويفتح آفاقاً جديدة في عملية صنع القرار من خلال دمج وجهات نظر متعددة، ولا سيما تلك التي غالباً ما تكون مغيّبة عن الرجل، فنحن نرى أن المرأة لم تعد مجرد عنصر مساند، بل شريك أساسي في القيادة واتخاذ القرار”.
وبناء على ما سلف يعتمد نظام الرئاسة المشتركة على اللامركزية، التي تضمن تمثيلاً أوسع للمجتمع، بينما يقصي النظام المركزي الحضور الفعّال للمرأة، إلى جانب القرار الفوقي على عكس مناطق روج آفا القائم على القرار التشاركي.
النظام المركزي في سوريا
يعتمد النظام السياسي لدى الحكومة السورية المؤقتة على نموذج مركزي تقليدي يقوم على تركيز السلطة وصلاحيات القرار في يد قيادة محدودة، ما ينعكس سلباً على مبدأ الشراكة المجتمعية والتمثيل العادل وبشكل خاص على مشاركة المرأة في الحياة السياسية والعامة، هذا النموذج يعيد إنتاج أنماط حكم قديمة استبدادية أثبتت فشلها في الاستجابة لتنوع المجتمع واحتياجاته، وتبقي المرأة في هامش العملية السياسية بدل اعتبارها شريكاً أساسياً في صنع القرار.
وأحد أبرز مظاهر المركزية في الحكومة المؤقتة حصر القرار السياسي والإداري ضمن دوائر ضيقة يغلب عليها الطابع الذكوري والنخبوي، حيث تُتخذ القرارات من الأعلى إلى الأسفل دون إشراك فعلي للمجتمع أو لمؤسساته المدنية والنسوية، ويقتصر حضور المرأة في هذه الهياكل على أدوار شكلية أو استشارية، دون أن تُمنح صلاحيات حقيقية أو مواقع قيادية مؤثرة، ما يعكس غياب رؤية واضحة لتمكين المرأة سياسياً.
وكما أن الخطاب السياسي للحكومة المؤقتة رغم حديثه المتكرر عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، لا يترجم عملياً إلى سياسات تضمن المساواة بين الجنسين فلا توجد آليات واضحة لفرض تمثيل عادل للنساء، ولا تشريعات ملزمة تكفل مشاركتهن في المجالس التنفيذية أو مواقع صنع القرار، وهذا الإقصاء لا يعود فقط إلى عوامل سياسية، بل يرتبط أيضاً بثقافة مجتمعية تقليدية لم تعمل الحكومة على تفكيكها أو مواجهتها ببرامج توعوية بل تبنتها. وبهذا الخصوص بينت ستير مراد: “سلطة دمشق تفتقر للديمقراطية وما فيها تمثل رؤية المجتمع، فنحن ندعو لتطبيق نظام ديمقراطي في سوريا يحقق رغبة كل السوريين في العيش بحرية وكرامة وأكيد يجب أن يكون هناك تمثيل حقيقي وواقعي للمرأة في المؤسسات ومجالات الحياة”.
منوهة إلى إن أهمية نظام الرئاسة المشتركة في سوريا عموماً تكمن في كونه يعزز الديمقراطية والمساواة، ويمنع تركّز السلطة بيد شخص واحد، ويُنظر إلى هذا النظام بوصفه طريقاً حقيقياً لإرساء الديمقراطية في سوريا ككل”.
وفي الختام، أكدت الرئيسة المشتركة لاتحاد بلديات إقليم شمال وشرق سوريا “ستير مراد” أن “نموذج نظام الرئاسة المشتركة في مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية يعد من أفضل النماذج التي تسعى إلى تحقيق الديمقراطية والمساواة، وبناء مجتمع حر وديمقراطي وبيئي، تكون فيه المرأة في موقع القيادة الفاعلة، لذلك يُعدّ هذا النموذج أفضل نموذج لسوريا ديمقراطية، ولمجتمع حر وتعددي لا مركزي، يقبل بالمرأة ويمنحها دورها الكامل في مجالات الحياة”.
وبناء على ما سبق يتضح إن إقصاء المرأة ضمن النظام المركزي لا يضر بالنساء وحدهن، بل ينعكس على المجتمع ككل، إذ يُفقد العملية السياسية نصف طاقتها وقدرتها على إنتاج حلول شاملة ومستدامة، فغياب المرأة عن مواقع القرار يعني تغييب منظور أساسي يتعلق بقضايا العدالة الاجتماعية، والتعليم، والصحة، وبناء السلام، وهي مجالات لعبت فيها النساء أدواراً محورية خلال سنوات الأزمة السورية.
فلا يمكن الحديث عن انتقال سياسي حقيقي أو بناء سوريا ديمقراطية دون كسر بنية المركزية السلطوية التي تقصي المرأة، واعتماد نماذج حكم تشاركية تضمن تمثيلاً فعلياً ومتوازناً للنساء في جميع مفاصل الدولة، فمشاركة المرأة ليس مطلباً فئوياً، بل شرطاً جوهرياً لتحقيق العدالة والاستقرار والديمقراطية في سوريا وفق نظام الرئاسة المشتركة الذي يمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء سوريا على أسس ديمقراطية حديثة تحترم كل أطياف المجتمع وعلى رأسها المرأة السورية التي ضحت وناضلت وكابدت ويلات الحرب والإقصاء.
No Result
View All Result