No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
لم تكن رحلة الطبيبة الأرجنتينية الثائرة إلى كردستان رحلة عادية في حياة شابة جاءت من أمريكا اللاتينية، بل كانت مسيرة كفاح لمناضلة أممية من أجل الحرية اختارت فيها أن تضع علمها وطاقتها في خدمة ثورة شعب يبحث عن الحرية، عُرفت بين رفاقها باسم “ليكرين جيا” وأصبحت من الوجوه الأممية التي التحقت بثورة التاسع عشر من تموز “روج آفا”، حيث كرّست حياتها لبناء القطاع الصحي في ظروف الحرب، إلى أن استشهدت في حادث سير بتاريخ 17 آذار 2018، وسنخصص هذا المقال للحديث عن هذه الطبيبة الثائرة التي أصبحت ذاكرة حية لدى الشعب الكردي عبر العصور.
الولادة والنشأة
ولدت “آلينا سانشيز” في الرابع من شهر أيلول 1986 في مدينة سان مارتين دي لوس أنديس في الأرجنتين، لأم تُدعى باتريكا، وأب اسمه رودولف، نشأت في بيئة اجتماعية وسياسية نشطة متأثرة بتاريخ النضال في أمريكا اللاتينية، درست المراحل الأولى من دراستها في سان مارتين وفيما بعد درست لفترة علم الأنثروبولوجيا في جامعة قرطبة. اهتمت بقضايا المجتمع بشكل كبير في بلد عاش تقلبات سياسية عديدة في حياته.
السفر إلى كوبا ودراسة الطب
ولم تستمر “آلينا” طويلاً في دراستها لعلم الأنثروبولوجيا، لأنها حصلت على منحة للدراسة في مدرسة “الطب الأمريكية اللاتينية” في كوبا، وهي مؤسسة تعليمية، أُسِّست بهدف إعداد أطباء يعملون في المجتمعات الفقيرة والمحرومة، هناك تبنت مفهوم الطب المجتمعي الذي يربط الصحة بالعدالة الاجتماعية والنضال الجماهيري، كيف لا وهذه المؤسسة التعليمية التي تدرس فيها تهدف الى إعداد أطباء لخدمة المجتمعات الفقيرة والمهمشة، ويرى أن المرض ليس مجرد حالة بيولوجية، بل نتيجة لظروف اجتماعية واقتصادية غير عادلة.
التعرف على الحركة الكردية
وخلال سنوات نشاطها السياسي، تعرّفت “آلينا” إلى القضية الكردية وإلى تجربة الحركة التحررية الكردية، وقد أثارت اهتمامها بشكل خاص فلسفة التحرر الديمقراطي التي طرحها المفكر الكردي القائد عبد الله أوجلان، والتي تضع تحرر المرأة والمجتمع في مركز مشروعها، رأت في تجربة روج آفا نموذجاً فريداً لمحاولة بناء مجتمع جديد يقوم على الديمقراطية المباشرة والمساواة بين المرأة والرجل والتعايش بين الشعوب. لهذا؛ قررت أن تذهب إلى هناك، ليس كمراقبة أو متضامنة من بعيد، بل كمشاركة فعلية في بناء هذه التجربة.
اختيار طريق الثورة
وخلال عام 2011 زارت كردستان لأول مرة، وهناك تعرّفت عن قرب على حركة الحرية الكردية وفلسفة التحرر التي تقودها، خاصة دور المرأة في الثورة، بعد إنهاء دراستها الطبية عام 2014 قررت التوجه إلى روج آفا والمشاركة في بناء المجتمع الجديد الذي كان يتشكل في روج آفا وشمال وشرق سوريا، هناك تبنت الاسم الكردي “ليكرين جيا” والذي يعني (البحث أو السعي)، تعبيراً عن بحثها الدائم عن الحرية والعدالة، عندما وصلت إلى شمال وشرق سوريا، كانت المنطقة تمر بمرحلة تاريخية صعبة، الحرب كانت تشتد، والبنية التحتية مدمرة، والقطاع الصحي يعاني من نقص كبير في الكوادر والإمكانات، لم تأت بحثاً عن مغامرة، بل عن معنى عميق للنضال الإنساني. تعلمت اللغة الكردية، واندمجت بسرعة في المجتمع الكردي، وبدأت العمل مع المؤسسات الصحية الناشئة في روج آفا.
دورها في بناء النظام الصحي في روج آفا
ولعبت “آلينا سانشيز” دوراً مهماً في بناء وتطوير النظام الصحي في روج آفا خلال سنوات الحرب، فقد أشرفت على تنظيم الخدمات الطبية في زمن الحرب، كما هو معلوم، مع بداية الثورة غادر العديد من الأطباء المنطقة بسبب الحرب، ما خلق نقصاً حاداً في الكوادر الطبية، لذلك ساهمت آلينا في تنظيم مراكز الرعاية الصحية الأولية في العديد من المدن والبلدات والقرى، كما أشرفت على تدريب كوادر طبية محلية، وقامت بتقديم العلاج للمدنيين والمقاتلين الجرحى، وقد أنقذت مسيرتها الطبية حياة العديد من الجرحى في جبهات القتال ضد التنظيمات المتطرفة، ولعبت ليكرين جيا دوراً محورياً في تنظيم العمل الطبي في روج آفا، فقد نظمت دورات تدريبية للكوادر المحلية الصحية وعلمتهم الإسعافات الأولية، معالجة الجروح الناتجة عن القتال، وقد ساهمت هذه الدورات في تأهيل عدد كبير من المسعفين والممرضين الذين أصبحوا لاحقاً جزءاً أساسياً من النظام الصحي في المنطقة.
العمل مع وحدات حماية المرأة
وانضمت “آلينا” إلى العمل الطبي المرتبط بوحدات حماية المرأة YPJ، كانت تقدم الرعاية الصحية للمقاتلات وتشارك في برامج التوعية الصحية داخل الوحدات العسكرية، لم يقتصر دورها على العلاج فقط، بل عملت على نشر مفهوم الصحة المجتمعية من خلال إنشاء برامج توعية صحية في مراكز تواجد المقاتلات، وربط المؤسسات الصحية بالمنظمات الإنسانية الدولية، كانت تؤمن أن الصحة جزء من بناء مجتمع حر ومتضامن. وقد عملت في أكاديمية طب المرأة التي تعتبر رائدة في مجال الاهتمام بصحة المرأة وخاصة المقاتلة بالإضافة إلى إجراء البحوث المرتبطة بها ضمن إطار فلسفة تحرر المرأة في الثورة.
الجسر بين أمريكا اللاتينية وكردستان
وكانت ترى “آلينا” أن ثورة روج آفا ليست قضية محلية فقط، بل تجربة عالمية. لذا؛ فقد عملت على تعريف الحركات الاجتماعية في أمريكا اللاتينية بتجربة روج آفا وقد أوصلت هذه التجربة الثورية الى العديد من بلدان أمريكا اللاتينية من بينها بلدها الأم الأرجنتين وكذلك بوليفيا، تشيلي، وغيرها، بالإضافة الى بناء جسور تضامن بين شعوب العالم، وكذلك المشاركة في مؤتمرات دولية لشرح تجربة الإدارة الذاتية، كانت دوماً تعتبر أن نضال الشعوب في أمريكا اللاتينية وكردستان مرتبطان بقيم الحرية والعدالة الاجتماعية.
الاستشهاد في روج آفا
وفي 17 آذار 2018، وبينما كانت في مهمة عمل بين المراكز الصحية في مدينة الحسكة والمنظمات الدولية العاملة في مجال الصحة، تعرضت “آلينا” لحادث سير أدى إلى استشهادها، جاء رحيلها المفاجئ في وقت كانت فيه تعمل بلا توقف لتطوير الخدمات الصحية في المنطقة، ترك خبر استشهادها أثراً عميقاً في حياة رفاقها وفي المجتمع الذي عملت فيه، فقد كانت للكثيرين أكثر من طبيبة، كانت رفيقة درب في بناء حياة جديدة وسط الحرب، استشهادها ترك صدمة كبيرة ليس فقط لرفاقها في روج آفا بل لكافة ثوار الحرية في أمريكا اللاتينية والعالم أجمع.
إرثها وتخليد اسمها
وبعد استشهادها تم تخليد اسمها في عدة أماكن ومبادرات، من بينها إطلاق اسمها على مشفى في مدينة تل تمر تقديراً لدورها الطبي والإنساني، كما تم إنشاء مشاريع صحية وتعليمية في أمريكا اللاتينية تحمل اسمها، واعتبارها رمزاً للأممية والتضامن بين الشعوب، إرثها كبير رغم عمرها القصير فهي عاشت تجربة المرأة في روج آفا والتي رأت فيها ثورة حقيقية داخل الثورة؛ لأنها أعادت تعريف دور المرأة في المجتمع والنضال.
وختاماً، آلينا سانشيز “ليكرين جيا”، كانت الجسر الذي ربط أحلام التحرر في جبال الأنديز بآمال الحرية في روج آفا وشمال وشرق سوريا، باستشهادها في الحسكة، تركت آلينا إرثاً يتجاوز الطب، لقد أثبتت أن “الأممية” ليست شعاراً سياسياً، بل هي ممارسة يومية وتضحية بالذات من أجل الآخر.
إن بقاء اسم “ليكرين” محفوراً على جدران الأكاديميات الطبية في روج آفا، وتردد صداه في أزقة بوينس آيرس، يؤكد أن قيم العدالة والمساواة لا تتجزأ، رحلت الطبيبة الأرجنتينية جسداً، لكنها بقيت روحاً في كل يد طبية تداوي جراح المظلومين، وشعلةً تضيء الطريق لكل من آمن بأن العالم، بكل شعوبه وأعراقه، هو وطن واحد للحرية.
No Result
View All Result