No Result
View All Result
يونس بهرام
ليس نوروز مجرد حدث متكرر في التقويم، ولا طقسٍ احتفالي يُستعاد سنويًّا، بل هو مرآةٌ صافية تكشف وجدان الجماعة وقياسٌ لنضجها، إنه لحظة تتقاطع فيها الذاكرة مع المستقبل، حيث يُختبر الوعي الجمعي: هل نحن قادرون على النهوض معًا، أم أن التفرّق قد استوطن العقول قبل الأرواح؟
نوروز، في جوهره، لا يُزيّن الواقع، بل يكشفه؛ فهو امتحان بين ما ينبغي أن نكونه وما أصبحنا عليه، وبين وحدة تُفترض كقدرٍ تاريخي، وانقسام يتسلل كعادةٍ يومية، وهنا تتجلّى المفارقة: كيف لعيدٍ وُلد من رحم التحدي والانبعاث أن يتحوّل إلى ساحة خلاف، بدل أن يكون فضاءً للتلاقي والتجدد؟
ليست المحن عذرًا للانقسام، بل هي العلة التي تجعل الوحدة ضرورة وجودية. الشعوب التي تعبّر عن الألم لا تملك رفاهية التشتّت؛ فإن انقسمت، أعادت إنتاج جراحها بأيديها. ومن هذه الزاوية، يصبح نوروز أكثر من مناسبة؛ إنه معيارٌ لمدى قدرة الوعي الجمعي على تحويل الذاكرة المشتركة إلى مشروعٍ مشترك، وإعادة تشكيل الانتماء على أسس أخلاقية صلبة.
الاختلاف، في جوهره، ليس خطيئة، لكنه يفقد شرعيته حين يعلو على ما هو أعمق: الدم، المعاناة، والكرامة المؤجَّلة في العودة. الوحدة هنا ليست شعارًا عاطفيًا، بل شرط أخلاقي للبقاء والمعنى. فكل اختلافٍ يُغفل الروابط الأساسية هو انقسام مميت للروح الجماعية.
نوروز ليس دعوةً للفرح فقط، بل دعوة لإعادة ترتيب الأولويات: أن يُعلَّوَ ما يجمع على ما يفرّق، وأن يرتقي الحوار من جدل الرموز إلى حقيقة المشروع الجماعي. حينها، لا يصبح العيد احتفالًا عابرًا، بل فعلًا تاريخيًا يذكّرنا أن النهوض لا يحدث مرةً واحدة، بل يُصنع يوميًا بصبر وإرادة وإيمان بالوحدة.
وأن كان لنا أن نخاطب شعبنا في هذه المناسبة فما لنا إلا أن نقول:
يا أبناء كردستان: لا تُبدّدوا وحدتكم، فهي آخر ما تبقّى حين تضيق الأرض وتتسع الجراح. تشبّثوا بأخوّتكم الكردية، فالانقسام لا يضعف الجسد فحسب، بل يُربك الروح ويُفقد القضية بوصلتها. التزموا ببعضكم، فليس للكردي في النهاية سوى أخيه الكردي، ورايته التي تختصر تاريخه، ونوروزه الذي يُعيد إليه معنى النهوض كل عام. من حفظ هذه الثلاثة، حفظ ذاته وقضيته؛ ومن تهاون، ضاع المعنى الذي من أجله وُجدت كل البدايات.
نوروز: أيقونة النهوض والاتحاد الكردي.
نوروزُ يشرقُ على أرضٍ صابرة فتعودُ الروحُ فينا مستنيرةً
ونحنُ الكردُ، مهما فرّقنا القدرُ واحدٌ قلبنا، واحدة إرادتُه الثائرة. من دمائنا تُنسجُ وحدة شعب وأرضٌ صافية، على النهوض مستبشرةً، فلن نحيد عن درب الأخوّة الوضاء ولا نرضى بالتفرّق أو النزاعات الخائرة، رايتنا ونوروزنا، ذرّانا، نجمةٌ تهدي المسيرَ لكلِّ نفسٍ ثائرة.
No Result
View All Result