No Result
View All Result
تمني السروي
ليست كل الشعوب تملك عيداً يشبه نوروز، وليست كل الأمم تستطيع أن تختصر تاريخها كله في شعلة نار. لكن؛ الكرد فعلوا ذلك. ففي لحظةٍ واحدة من كل عام، حين ترتفع ألسنة اللهب فوق جبال كردستان، يبدو وكأن التاريخ نفسه يقف ليعلن أن هذه الأمة لم تولد أمس، ولم تمر مروراً عابراً في صفحات الزمن.
نوروز ليس مجرد احتفال، بل لحظة انفجار في الذاكرة. لحظة تقول إن شعباً عاش آلاف السنين بين هذه الجبال لم يكن صدفة في الجغرافيا، بل حقيقة راسخة في قلب التاريخ. الكرد لم يكونوا يوماً ظلاً لأحد، ولم يكونوا فصلاً هامشياً في رواية الآخرين. إنهم شعبٌ كتب قصته بعرق الجبال وبنار الحرية، وحين يشتعل نوروز فإن تلك القصة كلها تعود للحياة دفعةً واحدة.
الكرد… أمة من حجر الجبال
إذا كان لكل أمة مكان وُلدت فيه، فإن الكرد وُلدوا من صلابة الجبال نفسها. هنا تشكلت لغتهم، وهنا تشكلت روحهم التي لا تنكسر. الجبل لم يكن مجرد جغرافيا في حياة الكرد، بل كان مدرسة للحرية، ودرعاً يحمي الوجود، وصوتاً يقول لكل من حاول محوهم إن هذه الأمة عصية على الذوبان.
الكرد ليسوا شعباً ظهر فجأة في التاريخ، بل جذورهم تمتد عميقاً في حضارات هذه المنطقة القديمة. من الأزمنة التي كانت فيها الإمبراطوريات تتغير وتنهار، بقيت هذه الأمة محافظة على لغتها وذاكرتها وتراثها. وهذا ما يجعل الكرد أحد أقدم الشعوب التي حافظت على هويتها رغم قرونٍ طويلة من التحولات السياسية والعسكرية.
ولهذا السبب تبدو قصة الكرد مختلفة. فهناك شعوب صنعتها الدول، لكن الكرد صنعهم التاريخ نفسه. وهناك أمم تشكلت حدودها على الورق، أما الكرد فقد رسمت الجبال حدود روحهم منذ آلاف السنين.
نوروز… لحظة الثورة الأولى
في قلب هذا التاريخ الطويل، يقف نوروز كواحدة من أعظم الرموز التي حملها الكرد عبر الأجيال. ليس لأنه بداية الربيع فقط، بل لأنه لحظة تمردٍ تاريخي ضد الظلم. ففي الذاكرة الكردية، لا يُذكر نوروز دون أن يُذكر اسم كاوا الحداد، الرجل الذي تحوّل إلى أسطورة شعبية لأنه تجرأ على الوقوف بوجه الطغيان.
حين انتصر كاوا وأشعل النار فوق الجبل، لم يكن يشعل شعلةً فقط، بل كان يعلن ميلاد فكرة. فكرة تقول إن الإنسان البسيط يمكن أن يصبح أقوى من الطغاة حين يمتلك الشجاعة. ومنذ تلك اللحظة أصبحت النار في نوروز أكثر من تقليد، أصبحت بياناً تاريخياً مكتوباً باللهب. ولذلك؛ حين يشعل الكرد النار في نوروز، فهم لا يكررون طقساً قديماً فحسب، بل يعيدون إحياء لحظة الثورة الأولى، اللحظة التي قالت فيها هذه الأمة إن الحرية ليست حلماً بعيداً بل حقاً لا يمكن التنازل عنه.
نوروز في فكر القائد عبد الله أوجلان
في كتابات ورسائل قائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان يحتل نوروز مكانة خاصة، لأنه يمثل في نظره لحظة رمزية تختصر تاريخ الكفاح الإنساني ضد الاستبداد. حيث يرى أن نوروز ليس مجرد عيدٍ شعبي أو مناسبة ثقافية، بل حدثٌ تاريخي يحمل في داخله معنى عميقاً يتعلق بإرادة الشعوب في التحرر. يكتب عبد الله أوجلان في إحدى رسائله بمناسبة نوروز أن هذا اليوم يمثل لحظة انبعاث للحرية في تاريخ الشعوب، وأن النار التي تُشعل فوق الجبال ليست مجرد لهبٍ مضيء، بل إعلانٌ رمزي عن رفض الظلم. ويرى أن قصة كاوا الحداد تجسد فكرة أن الإنسان البسيط، حين يمتلك الإرادة والوعي، يمكن أن يتحول إلى قوة قادرة على تغيير مجرى التاريخ
وفي رسائل أخرى، يؤكد القائد الكردي عبد الله أوجلان أن نوروز يحمل معنى إنسانياً يتجاوز حدود الاحتفال التقليدي، إذ يرمز إلى انتصار الحياة على الموت، وإلى قدرة الشعوب على النهوض من جديد مهما كانت الظروف. ولذلك يعتبر أن نوروز ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل طاقة معنوية متجددة تمنح الشعوب الأمل والقوة للاستمرار في طريق الحرية.
نار لا يمكن إطفاؤها
عندما تشتعل نار نوروز فوق جبال كردستان، لا يراها الكرد مجرد لهب يضيء الليل. إنهم يرون فيها صورة أنفسهم. يرون فيها تاريخاً طويلاً من الصمود، ويرون فيها رسالة تقول إن الشعوب التي تعرف من تكون لا يمكن أن تختفي من العالم. هذه النار التي تنتقل من جيل إلى جيل ليست مجرد تقليد قديم. إنها ذاكرة حيّة، وشهادة على أن الكرد لم يكونوا يوماً شعباً عابراً في التاريخ. كانوا دائماً أمة تعرف طريقها، حتى لو كان الطريق طويلاً ومليئاً بالتحديات.
ولهذا السبب، كلما ارتفعت ألسنة النار في ليلة نوروز، يبدو المشهد وكأن التاريخ نفسه يبتسم. لأن الشعلة التي أشعلها الأجداد ما زالت حيّة، ولأن أمةً استطاعت أن تحفظ نارها آلاف السنين لن تسمح لها أن تنطفئ أبداً.
No Result
View All Result