عبد الرحمن ربوع
لا أحد في سوريا مرتاحٌ أو راضٍ عن أوضاع البلد السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية بما في ذلك مؤيدي السلطة الحالية وداعمي الحكومة السورية المؤقتة، فالواقع المعيشي المزري، والأوضاع الأمنية المقلقة، والمستقبل المبهم يسبب للجميع القلق والأرق، ومع تشدد السلطة، وانكفائها على ذاتها، وعجزها عن التعامل مع مسؤولياتها الوطنية؛ لا يجد كثير من السوريين فرصًا حقيقية للإدلاء بدلائهم في محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه فيما تهوي البلد ويهوي الجميع في هوّة الفشل.
ورغم أن القرارات والمراسيم “الطيبة” التي تؤسس لتوافق وطني بين مكونات المجتمع السوري أضحت متوفرة، واللقاءات والاجتماعات والولائم و”القعدات” أمست متواترة، إلا أن تطبيق وتنفيذ هذه القرارات والمراسيم والعمل بمخرجات اللقاءات والاجتماعات مازال بعيد وصعب المنال.
وفيما يتم الإعلان عن مساعي متواصلة لاحتواء أزمة السويداء؛ تستمر المناوشات والاستفزازات التي تتعدى كل حدود الانتهاكات. كما يستمر السجال والتلاسن والتحريض وخطاب الكراهية خصوصًا عبر وسائل الإعلام الرسمية.
كل هذا والمجتمع الدولي الذي “يدعم الاستقرار في سوريا” يراقب ويتابع ويرسل الرسائل والنصائح. ورغم الحاجة الماسة لكل دعم خارجي ممكن لإنجاح المرحلة الانتقالية، إلا أن الممارسات الممنهجة تفرض التريث في تقديم أي دعم دولي لهذه الحكومة أو السماح بالتحويلات ونقل رؤوس الأموال رغم رفع العقوبات. بل إنها تهدد صراحةً بإعادة فرض العقوبات الاقتصادية ما لم يتم تصويب قرارات وسياسيات السلطة الانتقالية وتهذيب سلوك مؤيديها وحاضنتها بما يتوافق مع ضوابط القانون وأعراف التعايش.
إن احتكار السلطة والقرار من قبل فئة صغيرة من المجتمع، وتغييب وإقصاء الفئات الأخرى لا يصنع سلامًا مستدامًا. قد يوفر بعض الوقت لترتيب الأوراق ورسم السياسات وتحديد الاستراتيجيات، لكنه يظل خطوةً مرحلية يجب أن تعقبها خطوات من التوافق والمشاركة الواسعة لكل قوى المجتمع بمختلف أصنافها وتصنيفاتها. ولا يمكن أن نتوقع من هذه القوى، أو حتى قوة واحدة، أن تتفاعل إيجابيًا وبفاعلية مع استراتيجيات وسياسات وبرامج الحكومة فيما هي مُقصاة ومستبعدة ومهمشة. بل أحيانًا تكون مستهدفة بأمنها، ومنتهكة خصوصيتها، ومستباحة مقدراتُها.
إن التوافق المطلوب لإعادة بناء مؤسسات الدولة السورية على أسس وطنية ليس مجرد شعارات متداولة، ولا يتلخص بتعيين “موفد رئاسي”، وهذا بحد ذاته معيب بحق الوطنية ووحدة الشعب ووحدة التراب؛ بل التوافق يعني المشاركة الكاملة لكل القوى السياسية، وإفساح المجال لأهل الاختصاص، والتخلص من عقد الفردانية والنرجسية ومتلازمة الغطرسة، لأن نهايتها معروفة، والبلد في هذه الظروف المحلية والإقليمية لا تقوى على أن تكون ساحة تجاذبات عدائية أو تجارب فاشلة.