No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
بعد فشل المفاوضات بين القائد “عبد الله أوجلان” والسلطات التركية خلال الفترة الممتدة من 2012 إلى 2015، سعت السلطات التركية القمعية إلى تجريد الكرد من المكتسبات التي حققوها خلال فترة الهدوء النسبي الذي رافق عملية المفاوضات ومنها رئاسة البلديات الكبرى (آمد، وان، وميردين)، حيث قامت السلطات بعزل رؤساء البلديات المنتخبين وتعيين أشخاص من طرفها لتسير أمور البلديات، ازداد التوتر وتصاعد بشكل كبير خاصة مع انتفاضة الشعب وتعزيز المقاومة في العديد من المناطق مثل “جزيرة، سلوبي، نصيبين، وسور آمد”.
وتُعدّ مقاومة مدينة سور في آمد (ديار بكر) واحدة من أبرز وأشد مراحل الصراع التي شهدتها المناطق الكردية في باكور كردستان وتركيا خلال السنوات الأخيرة، فقد تحولت المدينة التاريخية إلى ساحة مواجهة طويلة بين المقاتلين الكرد الذين قاوموا ضمن إطار الدفاع المشروع على هجمات الدولة التركية بين عامي 2015 و2016، وفي خضم تلك الأحداث برز اسم “جياكر هيفي”، وهو الاسم الحركي للمقاتل الكردي “جيهان توركان”، الذي أصبح قيادياً لمقاومة سور آمد، ورمزاً من رموز الصمود لدى كثير من الشباب الكرد.
النشأة والبدايات
وُلد جيهان توركان في باكور (شمال كردستان)، في بيئة كردية عاشت لسنوات طويلة تحت تأثير الصراع السياسي والهوية القومية، نشأ في مجتمع كانت فيه القضية الكردية جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، حيث عانى السكان من القيود السياسية والثقافية، ومن التوترات المستمرة بين الحركة الكردية والدولة التركية، مثل كثير من الشباب الكرد في تلك المرحلة، تأثر جيهان توركان بالأفكار المرتبطة بالهوية الكردية وحق الشعوب في الحفاظ على ثقافتها ولغتها، ومع مرور الوقت بدأ يقترب أكثر من الأوساط الشبابية التي كانت تنشط في العمل السياسي والاجتماعي في المدن الكردية، مدينة آمد (ديار بكر) التي تعد مركزاً ثقافياً وسياسياً مهماً للكرد لعبت دوراً كبيراً في تشكيل وعيه، فقد كانت المدينة عبر التاريخ مركزاً للنشاط الثقافي والسياسي الكردي، كما كانت مسرحاً للعديد من الاحتجاجات والحركات الشعبية.
اختيار الاسم الحركي
وعند انخراطه في صفوف الحركة الشبابية الكردية اختار “جيهان توركان” لنفسه الاسم الحركي “جياكر هيفي”، ويحمل هذا الاسم دلالة رمزية في اللغة الكردية، فكلمة “جياكر” تعني الشخص المخلص أو الوفي، بينما تعني “هيفي” الأمل، لذلك يمكن فهم الاسم على أنه تعبير عن “الوفاء للأمل” أو “المخلص للأمل”، وقد اعتاد كثير من المقاتلين الكرد استخدام الأسماء الحركية التي تعكس قيماً رمزية مثل الحرية أو الأمل أو الصمود، وهي قيم ارتبطت بالنضال الكردي في العقود الأخيرة.
السياق السياسي وبداية مقاومة سور
وشهد عام 2015 تحولات كبيرة في المشهد السياسي في تركيا، فبعد فترة من المفاوضات ومحاولات السلام بين الحكومة التركية والحركة الكردية، انهارت عملية السلام وعادت المواجهات المسلحة إلى العديد من المناطق الكردية، في تلك الفترة اندلعت مواجهات في عدة مدن مثل جزير ونصيبين وسلوبي، لكن مدينة سور في آمد كانت من أبرز تلك الساحات، سور هي المنطقة التاريخية القديمة للمدينة، وتتميز بأزقتها الضيقة ومبانيها الحجرية القديمة، ما جعلها بيئة مناسبة لحرب المدن، أقام المقاتلون الكرد خنادق وحواجز في بعض الأحياء، وأعلنوا الإدارة الذاتية المحلية، وردّت الدولة التركية بفرض حظر تجول طويل وإطلاق عمليات عدوانية واسعة باستخدام القوات الخاصة والدبابات والمدفعية.
دور جياكر هيفي في المقاومة
وفي خضم هذه الظروف برز اسم “جياكر هيفي” كقيادي للمقاومة في سور آمد، عُرف بين رفاقه بروحه القيادية وشجاعته في المواجهات، إضافة إلى قدرته على تنظيم المجموعات المقاتلة داخل الأحياء الضيقة للمدينة، شارك في تنظيم الدفاعات داخل المدينة، حيث كان المقاتلون يعتمدون على حفر الخنادق وبناء المتاريس لمنع تقدم القوات العسكرية، كما لعب دوراً في التنسيق بين مجموعات المقاتلين المنتشرين في أحياء سور المختلفة، استمرت المواجهات لأشهر طويلة، وكانت المعارك قاسية للغاية، استخدمت الدولة التركية الأسلحة الثقيلة والدبابات والطائرات بدون طيار، بينما اعتمد المقاتلون على تكتيكات حرب الشوارع، وقد أدى ذلك إلى دمار واسع في أجزاء كبيرة من المدينة القديمة، رغم صعوبة الظروف والحصار الطويل، استمرت المقاومة لفترة اعتبرها كثيرون من أطول وأعنف معارك المدن في تلك المرحلة.
استشهاده في 12 آذار 2016م
وفي خضم تلك المعارك العنيفة، استشهد جياكر هيفي “جيهان توركان” في 12 آذار 2016 أثناء مشاركته في الدفاع عن أحد أحياء مدينة سور، شكّل استشهاده صدمة كبيرة لرفاقه الذين كانوا يقاتلون إلى جانبه، كما أثّر خبر مقتله في كثير من الشباب الذين تابعوا أحداث المقاومة، فقد كان يُنظر إليه كأحد الوجوه الشابة التي لعبت دوراً مهماً في تنظيم المقاومة داخل المدينة، وبعد استشهاده انتشرت صوره وقصصه في الأوساط الكردية، وأصبح اسمه يُذكر ضمن أسماء المقاتلين الذين سقطوا خلال معارك سور.
تأثير مقاومة سور آمد
وانتهت المعارك في سور آمد بعد أشهر من القتال العنيف، حيث تمكنت الدولة التركية من السيطرة على المدينة، لكن المعركة تركت آثاراً كبيرة على المدينة وسكانها، إذ تعرضت أحياء كاملة من المنطقة التاريخية للدمار، واضطر آلاف السكان إلى مغادرة منازلهم، رغم ذلك بقيت مقاومة سور حاضرة في الذاكرة الكردية باعتبارها واحدة من أبرز محطات المواجهة في تلك المرحلة، ما تحولت أسماء العديد من المقاتلين الذين شاركوا فيها إلى رموز لدى بعض الأوساط الكردية.
باقٍ في الذاكرة الكردية
ومع مرور السنوات بقي اسم “جياكر هيفي” مرتبطاً بمقاومة سور آمد، بالنسبة لكثير من الشباب الكرد يمثل جيهان توركان نموذجاً لجيل نشأ في ظل الصراع السياسي واختار الانخراط في النضال، وتُذكر قصته عادة في سياق الحديث عن تلك المرحلة التي شهدت مواجهات عنيفة وتغيرات كبيرة في المدن الكردية داخل تركيا، كما يعكس مسار حياته جانباً من الواقع المعقد الذي عاشه الشباب في تلك المناطق.
وختاماً، يبقى جياكر هيفي “جيهان توركان” أحد الأسماء التي ارتبطت بتاريخ مقاومة سور في آمد، فقد تحوّل من شاب كردي عادي إلى أحد قادة المقاومة في واحدة من أكثر المعارك شدة في المدن الكردية خلال السنوات الأخيرة، ورغم انتهاء تلك المعارك، فإن ذكراه ما زالت حاضرة لدى كثيرين ممن يرون في مقاومة سور حدثاً مهماً في تاريخ الصراع الكردي المعاصر، كما تبقى قصته جزءاً من الذاكرة الجماعية لتلك المرحلة المضطربة من تاريخ المنطقة.
No Result
View All Result