السيد عبد الفتاح –
قبل أيام وربما ساعات من الإعلان النهائي لقوات سوريا الديمقراطية عن الانتصار الكامل على داعش الإرهابي في آخر معاقله «الباغوز»، وعلى الرغم من الهزيمة الساحقة التي تلقاها داعش وكتبت نهايته وهو الذي لم يكن خطراً على سوريا والعراق وحدهما، بل على المنطقة والعالم بأسره، والخطر هنا لا يقتصر على ما يمثله مقاتلو داعش من تهديدات، وإنما الخطر يتسع ويزيد بسبب ما تشكله أفكار ومعتقداته المغلوطة والمنحرفة والتي لا تتفق مع أي دين. وفي الوقت الذي نشهد فيه انهيار الدولة المزعومة التي أقامها داعش في كل من سوريا والعراق، دولة الخرافة والدم والجرائم ضد الإنسانية، وتبدد حلم أبو بكر البغدادي الخليفة المزعوم لخلافة لم تكن يومًا موجودة إلا في خياله المريض والمنحرف ومعه عشرات، بل مئات الآلاف الذين خضعوا له وآمنوا بكل كلمة نطقها وفكرة طرحها، وكانوا أشبه بالمخدرين ما جعلهم مجرد دمى يحركها أبو بكر البغدادي وقادته وأمرائه كيفما يشاءون. في هذا الوقت جاءت نهاية مرتزقة داعش الإرهابي والخلافة المزعومة على يد قوات سوريا الديمقراطية بكل تنوعها، الذي شكّل مصدر قوة أعانها على تحقيق الانتصارات المتوالية ضد مقاتلي الخليفة البغدادي، فإنه يكون من الخطأ الكبير تصور أن الخطر قد زال وأن تهديدات داعش ومقاتليه قد ولّت إلى غير رجعة، فكما قلنا؛ فإن الأخطر من هؤلاء المقاتلين وقوتهم العسكرية، هو الأفكار المنحرفة التي روّجها داعش وعمل على نشرها وترسيخها بمختلف الوسائل والطرق، سواء العسكرية بالسيطرة على الأراضي، أو الممارسات اللاإنسانية التي اقترفها مقاتلوه ضد الجميع ممن تم تصنيفهم بالأعداء والكفار والمرتدين وغيرها من المصطلحات الباطلة التي تبناها داعش، والتي ليس لها أي أساس فقهي أو إسلامي، أو بالاستغلال الكبير للوسائط والتكنولوجيا الحديثة واستخدامها في صنع أفلام هوليودية كان الغرض منها بث الرعب في النفوس فلا يفكر أحد في مواجهة مقاتلي داعش أو التصدي لخطرهم وإلا فالمصير معروف، إما ذبحًا أو حرقًا أو قتلاً متعدد الوسائل.
والحقيقة أن كل ما فعله داعش في بداية ظهوره وبعده عندما كان في أوج قوته وعنفوانه وسيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي في كل من سوريا والعراق. مكّنه من السيطرة على عقول الآلاف من عديمي التعليم والثقافة ومحدودي القدرات العقلية، ومعهم نسبة لا يستهان بها من المرضى النفسيين والمنحرفين غير الأسوياء واللاهثين خلف شهواتهم نحو الثراء أو إشباع رغباتهم الجنسية؛ ليسارعوا بالانضمام لداعش والعيش تحت جناح الدولة والخلافة المزعومة، ليقترفوا مختلف صنوف الجرائم والممارسات اللاإنسانية ضد الأبرياء، مخلفين وراءهم أعداداً ضخمة من الضحايا الذين يحتاجون إلى مجهودات كبيرة لعلاجهم وإعادة تأهيلهم وإدماجهم في مجتمعاتهم من جديد ليواصلوا حياتهم.
ونعود لنقول إنه وقبل الإعلان النهائي عن الانتصار الكامل على داعش، فإنه يجب على قوات سوريا الديمقراطية ومجلس سوريا الديمقراطية وفيدرالية شمال وشرق سوريا، وكل المشاركين في التجربة الناجحة في شمال وشرق سوريا، عليهم جميعًا الانتباه إلى أن خطر داعش لن يزول نهائيًا بالهزيمة العسكرية له، فالتنظيم الأخطر عالميًا لديه من الوسائل ما يمنحه القدرة على البقاء على قيد الحياة والقدرة على التهديد المستمر، وذلك عن طريق خلاياه النائمة وهو خطر كبير كامن وساكن في انتظار اقتناص أي فرصة ولو صغيرة ليعلن عن وجوده، كما أن مثل هذه الخلايا النائمة ستحرص في الفترة المقبلة على محاولة توجيه ضربات نوعية سواء لقوات سوريا الديمقراطية أو المدنيين والأعمال التخريبية سعيًا لترسيخ حالة عدم الاستقرار وشغل انتباه وتشتيت الجهود عن الاستمرار في عملية البناء، فمثل هذه الخلايا ومعها أعداد من الذين لايزالون متعاطفين مع الأفكار الداعشية، تشكلّ قنابل موقوتة جاهزة للانفجار في أي لحظة، وهو ما يستدعي وضع خطة متكاملة الجوانب لمواجهة هذا التهديد ليس فقط من الناحية العسكرية والأمنية وتوجيه ضربات لهذه الخلايا وهؤلاء العناصر، بل أيضًا خطة فكرية وتوعوية وتثقيفية شاملة لمواجهة ودحض والقضاء على أفكار داعش وأخوته من التنظيمات والجماعات المتطرفة والإرهابية، ويجب على جميع الجهات أن تتعاون معًا ولا تدخر جهدًا في خوض هذه المعركة التي لا تقل أهمية أبدًا عن المعارك العسكرية التي تم خوضها ضد داعش والإرهاب. فلابد من إشاعة وترسيخ أجواء وقيم التسامح وقبول الآخر والتعايش في المجتمعات التي خرج منها أو سيطر عليها داعش، وكذلك هناك أهمية كبيرة للتحاور مع المخدوعين والمُغرّر بهم من عناصر داعش الذين استسلموا وأصبحوا في قبضة قسد ومسد، لكن بعد التأكد من عدم تلطخ أيديهم بالدماء. وهنا لا بد من الاهتمام أكثر وأكثر بالأطفال الذين انتهك داعش طفولتهم وحولهم إلى “أشبال الخلافة” فهؤلاء بلا شك من أكبر ضحاياه، وهم أكثر احتياجًا إلى مد يد العون لهم، وعلاجهم وإعادة تأهيلهم ومسح ما تم نقشه أو زرعه من أفكار منحرفة في عقولهم البريئة. هذا بعض من كثير أدعو القائمين على الأمر في شمال وشرق سوريا إلى الإسراع في الالتفات إليه والعمل على تحقيقه في معركة لا تقل خطورة وأهمية عن المعارك العسكرية التي انتصروا فيها ضد داعش، وأثق في أنهم بما يتمتعون به من إخلاص وتجرد سوف ينتصرون في هذه المعركة أيضًا.