No Result
View All Result
لورنس الشعير
مع كل حلول عيد النوروز، تتجدد الذكرى في أذهان الكرد؛ ليست مجرد احتفال ببداية الربيع، بل مناسبة تحمل في طياتها تاريخًا عميقًا من المقاومة والهوية. من قامشلو في روج آفا إلى آمد في باكور كردستان، يُعيد هذا العيد رسم الحدود الرمزية بين الثقافة والسياسة، بين الفرح والتحذير، وبين الماضي والحاضر.
جذور تاريخية ورمزية للنوروز
النوروز، أو “اليوم الجديد”، يرتبط في الوعي الكردي بأسطورة كاوا الحداد، الحداد الذي قاد ثورة ضد الطاغية الضحاك. تُروى الحكاية بأن كاوا أشعل النار على قمم الجبال كرمز للانتصار والتحرر، وهو ما تحوّل لاحقًا إلى طقس شعبي مستمر.
التقويم الكردي الحديث، الذي يُحسب من تاريخ 612 قبل الميلاد، أي قبل 2638 عامًا، يعكس هذه الروح الرمزية. يشير الرقم إلى امتداد الهوية الكردية في التاريخ، ويؤكد للمجتمع الكردي أنه يمتد عبر آلاف السنين، بغض النظر عن التحديات السياسية المعاصرة.
النوروز والسياسة.. سوريا وتركيا نموذجًا
على مدار عقود، واجه الكرد تحديات سياسية متكررة عند الاحتفال بالنوروز. في سوريا، خلال فترة حكم النظام البعثي، وثّقت منظمة العفو الدولية حملات اعتقال استهدفت الكرد الذين نظموا فعاليات ثقافية، بما في ذلك الاحتفال بالنوروز. حالات التعذيب والاعتقالات الوحشية لم تقتصر على البالغين، بل شملت شبابًا وفتيات حاولوا المشاركة في الاحتفالات.
في تركيا، شكّل الاحتفال بالنوروز دائمًا موضوع مراقبة أمنية. وفق تقارير هيومن رايتس ووتش، اعتُقل آلاف الكرد بتهم “أمنية” خلال الاحتفالات، وتعرض البعض لأحكام قضائية شديدة. التحذيرات الأمنية، بحسب بعض الناشطين، لم تمنع الكرد من الاستمرار في إقامة الفعاليات، لكنها أضافت بعدًا من الحذر واليقظة.
مظلوم دوغان.. رمزية النوروز في سجن آمد
في يوم 20 آذار 1982، داخل سجن آمد، اتخذ مظلوم دوغان قرارًا أثار صدى طويل الأمد في المجتمع الكردي. وفق شهود وناشطين، قام دوغان بعملية فدائية بإضرام النار في جسده؛ احتجاجًا على الظروف القاسية والاعتقالات التعسفية، في فعل رمزي تزامن مع يوم النوروز نفسه.
يصف بعض الباحثين هذا الحدث بأنه “تحويل الأسطورة إلى فعل تاريخي”، حيث ارتبط النوروز بمفهوم المقاومة والتضحية، وأصبح رمزًا سياسيًا يحاكي تجربة أسطورة كاوا في زمن المعاصرة. هذا التحول أعطى عيد النوروز بعدًا جديدًا، وأكد أن الثقافة الكردية يمكن أن تصبح سلاحًا رمزيًا في مواجهة القمع.
صوت الميدان
لأهمية تضمين تجربة مباشرة، التقينا بـ”آهين علي”، ناشطة كردية شاركت في تنظيم فعاليات النوروز في قامشلو. تقول: “النوروز يوم نشعر فيه بأننا مرئيون. إشعال النار ليس طقسًا فحسب، إنه رسالة، حتى في ظل المراقبة والقيود، نجد في النوروز مساحة للتعبير الجماعي. هذا اليوم يعلمنا أننا ما زلنا قادرين على الحفاظ على هويتنا”.
حماية نوروز الهوية
يتضح من الدراسات أن النوروز أداة للحفاظ على الهوية، ووسيلة للتأكيد على الحق في التواجد والاعتراف. في مناطق كردية متفرقة، من قامشلو إلى آمد، يستخدم الاحتفال كفضاء للتواصل الجماعي، ولإعادة إنتاج السرد التاريخي والثقافي، إضافة إلى أنه رسالة إلى الأنظمة القمعية، حيث يرسل كل إشعال نار رسالة ضمنية عن الاستمرارية وعدم القبول بالمحو أو الطمس الثقافي.
أبعاد دولية وإنسانية
بالنظر إلى العالم الخارجي، يوفر النوروز مثالًا حيًا على كيفية تفاعل الثقافة مع السياسة. إن متابعة الاحتفالات، والاعتقالات، والقصص الشخصية، تجعل العيد قصة قابلة للعرض على الإعلام العالمي، وتسلط الضوء على حقوق الشعوب المتنوعة أمما كانت أم أقليات، وحرية التعبير، وأهمية الهوية الثقافية في منطقة تعاني نزاعات طويلة.
ختاماً
النوروز، من قامشلو إلى آمد مسرح للتاريخ وإقرار الهوية وأداة للتعبير السياسي. من نار كاوا الحداد إلى فدائية مظلوم دوغان، ومن احتفال آهين علي إلى آلاف المشاركين الآخرين، يستمر العيد في إعادة كتابة قصة الكرد، قصة تمتد عبر الزمن، وتظل تُطرح كل عام السؤال ذاته: من يملك حق سرد التاريخ؟
No Result
View All Result