عبدالرحمن محمد –
في محافظة البحيرة في مصر كانت ولادة «محمود سامي البارودي، عام1839م. وهو ذو أصول شركسية، وعندما كان في السابعة عشرة من عمره توفي والده بعد توليه إدارة كل من مدينتي (بربر ودنقلة) في السودان. درس البارودي علوم القرآن والنحو والصرف الفقه والتاريخ والحساب، وتخرج من المدرسة الحربية عام1855م. ليلتحق بالجيش البريطاني ثم قصد تركيا.
أتقن البارودي اللغة التركية وحفظ الكثير من الشعر باللغة التركية ونهل الكثير من الأدب والثقافة المتنوعة المشارب، والتحق بوزارة الخارجية العثمانية حتى عام 1863م. وعاد إلى مصر كمساعد لإدارة المكاتبات بين مصر وتركيا وبعدها عمل ضمن الجيش المصري تحت خلافة الخديوي، وفي الرابع من شهر شباط لعام 1882م كان توليه لأول منصب سياسي متمثلاً برئاسة الوزراء. تعرّض البارودي للكثير من الضغوطات ورفض التدخل الإنكليزي في مصر فحُكم عليه وستة من زملائه بالإعدام، ثم خُفف الحكم عام1882م. إلى النفي المؤبد إلى جزيرة سرنديب (سريلانكا). قضى محمود سامي سبعة عشر عاماً يعاني الوحدة والمرض والغربة عن وطنه، فسجّل كل ذلك في شعره النابع من ألمه وحنينه. وبعد أن بلغ الستين من عمره اشتدت عليه وطأة المرض وضعف بصره فقرر عودته إلى وطنه مصر للعلاج، وعاد إليها 1899م. وتوفي فيها في 12 أيلول 1904م. بعد سلسلة من الكفاح والنضال من أجل استقلال مصر وحريتها.
«حـــب ووداع»
محا البيـنُ ما أبقتْ
عيون المها مني
فـشِــبتُ ولم
أقضِ اللُّبانة من سني
عــناءٌ ، ويــــأسٌ
واشـتيــــاقٌ وغــربةٌ
ألا، شــدَّ ما ألقـــــاه
في الدهر من غُبنِ
فإن أكُ فــــارقـــــــتُ
الــــديار فـــلي بـها
فُــؤادٌ أضـــــــلتْهُ
عــــيـــون المها مِني
بعثــتُ به يــــوم
النـــوى إثـرَ لَحْظَةٍ
فأوقــــعه المِقدارُ
في شَـرَكِ الحُـسنِ
فـــهل من فتى في
الدهـر يجمع بينـنا
فليــس كِلانا
عــن أخــيه بمـسـتغــنِ
ولـما وقـــفنـا لِلــوَدَاع
وأسبَـلَتْ مدامعنا فـوق
التـــرائب كالمـــزن
أهبتُ بـصبري أن
يعودَ فــعـــزنـي
وناديت حــلــمــي
أن يـثـوب فـلـم يُغـنِ
ولمْ تَـمضِ إلا خَطْرَةٌ
ثم أقلعت بنا عن شطوط
الحي أجنِحةُ السُّفْـنِ
فـكم مُهجةٍ من زَفْرَةِ
الوجدِ في لـظى
وكم مُقـْلَةٍ
مِنْ غـزرة
الدمــع في دَجْنِ
وما كـنتُ جربتُ
النـــوى قبل هـذه
فلما دهتني كِدتُ
أقــضي من الحزن
ولكنني راجعتُ
حِلْمـِي وردني
إلى الحَزْمِ رأيٌ
لا يحومُ عـلـى أَفْنِ
ولولا بُنياتٌ
وشِيبٌ عواطلٌ
لمــا قَـرَعَـتْ نفـسي
على فائِتٍ سِني
فيــا قـلبُ صـبـراً
إن جـزِعتَ، فربما
جَرَتْ سُنُحاً طَيْرُ
الحـوادثِ باليُمْنِ
فقد تُورِقُ الأغصان
بـعد ذبـــولـها
ويبــدو ضياء البــدر
فـي ظــلمةِ الوَهنِ
وأيُ حسـامٍ لم تُصِبهُ
كـــهـــامُةٌ
ولهْــــذَمُ رُمْــــحٍ
لا يُـفَـلُ مـــن الطـعنِ
ومن شـاغب الأيامَ
لان مَــرِيـــرُهُ
وأسلمهُ طولُ المِراسِ
إلى الوَهْـنِ
وما المرءُ في دنـــيـاه
إلا كســالِكٍ
مناهِجَ لا تخلو من السهلِ
والحَــزْنِ
فإن تكن الــدنيا تولت
بــخـيـرها
فأهون بدنيا لا تـدوم
عــــــــلـى فَـنِّ!
تحمّـلتُ خوفُ المَنِّ
كـــلَّ رَزِيــئـــةٍ
وحملُ رزايا الدهــــر
أحــلـى من المنِّ
وعــــاشرتُ أخــداناً
فلما بَلَــــــوتُهُمْ
تـــمـــنــيــتُ أن أبقى
وحـــــيداً بلا خِـدنِ
إذا عرف المرءُ القلوبَ
وما انطـوتْ
عليه مـن البغضاءِ
عاش على ضِـغْــنِ
يرى بصري من
لا أودُ لِـــقــاءَهُ
وتــسمـــعُ أذني
ما تــعــافُ مِن اللحــنِ
وكيف مُــقــامي بين
أرضٍ أرى بـهــــا
من الظلم ما أخنى
على الدار والسَّكْـــنِ
فسَمْعُ أنين الجَوْرِ
قد شـــــاك مسمعي
ورؤيـــةُ وجه الغـدر
حــل عُرا جَفــــني
وصعـب على
ذي اللُّبِ رئـمانُ ذِلةٍ
واهي المـــتـنِ
إذا المرُ لم يرمِ
الهـــــناةَ بــمــثلـها
تخـطى إليه الخـوف
من جـانب الأمـــن
وكـن رجلاً
إن سيمَ خَسْفاُ
رمـتْ به
حَمِيـتـهُ بـين
الصوارمِ واللُّــدنِ
فلا خيْرَ في الدنيا
إذا المرءُ لم يعـشْ
مـــهيباً
تـــراه العينُ
كـالنار فـي دغْــنِ