No Result
View All Result
د. طه علي أحمد
بعد شهور أعلنت اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث السويداء تقريرها الذي يكشف عن بعض الملامح والإشكالات المعيقة لعملية بناء الدولة في سوريا الجديدة. فالتقرير لا يكشف مجرد وقائع صادمة عن حجم العنف والانتهاكات، بل يطرح سؤالًا أكثر جوهرية يتعلق بطبيعة الدولة السوريّة الجديدة: هل هناك إرادة حقيقية لبناء اندماج وطني، أم أن ما يجري هو إعادة إنتاج للأزمة بأدوات مختلفة؟
فعندما يشير التقرير إلى سقوط 1760 ضحيةً وأكثر من 2000 مصاباً، ونزوح عشرات الآلاف، ووقوع انتهاكات جسيمة شملت القتل والتعذيب والحرق والتهجير، فإننا لا نكون أمام “حادث أمني عابر”، بل أمام مؤشر عميق على فشل بنيوي في إدارة التنوع المجتمعي.
واحد مما يلفت النظر في هذا التقرير هو توصيف الانتهاكات بأنها “فردية وغير ممنهجة”، وهو التوصيف الذي يبدو مريحا سياسيًا للسلطة رغم أهميته القانونية، إذ يبدو أنه يُعفيها من مسؤولية أعمق تتعلق ببنية الدولة نفسها. لكن؛ الوقائع التي يسردها التقرير تناقض هذا الطرح فالعنف عنف واسع بين مكونات اجتماعية (بدو ودروز)، كما تورط عناصر من الجيش والأمن، وقد عجزت الدولة عن ضبط السلاح أو منع وصول المقاتلين مع استمرار الانتهاكات لفترة زمنية ممتدة (بحسب التقرير)، وهي في مجملها ليست سمات لأخطاء فردية، بل أعراض لسيطرة الدولة مع غياب مشروع وطني جامع.
بجانب ذلك، يقرُّ التقرير ضمنيًا بحقيقة خطيرة إن “الدولة لا تحتكر العنف المشروع”، فانتشار السلاح، ووجود مجموعات مسلحة متعددة خارج السيطرة، وفشل القوات الحكومية في منع تدفق العشائر إلى مناطق الاشتباك، كلها مؤشرات على أن الدولة لا تزال عاجزة عن فرض سيادتها الفعلية، لكن الأخطر من ذلك هو أن هذا العجز لا يُقابل برؤية سياسية واضحة لإعادة بناء الثقة بين الشعوب، بل يُدار بمنطقٍ أمني ضيق.
وهنا تتجلى المشكلة الأساسية إذ لا يمكن بناء اندماج وطني عبر أدوات أمنية فقط، فبدلاً من أن تلعب الدولة دور الوسيط الضامن، تبدو – وفق ما يعكسه التقرير – طرفًا ضمنيًا في مشهدٍ معقد من الصراع. فالتدخّل الحكومي لم يؤدِ إلى احتواء الأزمة، بل تزامن مع انتهاكات، ما ساهم في توسيع دائرة العنف.
ثم جاءت الحلقة الأخطر؛ وهي انتهاكات ضد الدروز مع ردود انتقامية ضد البدو، ودخول العشائر على خط الصراع بالإضافة إلى تدخّلات خارجية (إسرائيل) وكلها سلسلة تعكس غياب إدارة سياسية رشيدة، وتحول الدولة من “ضامنٍ للاستقرار” إلى عامل ضمن معادلة الفوضى.
التقرير إذاً يكشف عما يمكن تسميته بـ “العدالة الانتقائية”، ذلك أنه تطرق التقرير لأمورٍ مهمة مثل المحاسبة، والمحاكمات العلنية، وإحالة ملفات للقضاء، إلا أنَّ عدداً من الأرقام الصادمة التي وردت في التقرير تطرح تساؤلات جدية فهناك 23 موقوفًا فقط مقابل آلاف الضحايا والانتهاكات. إن هذا التفاوت يثير الشكوك حول جدية المساءلة، وقدرة القضاء على العمل باستقلالية، وأيضاً مدى وجود إرادة سياسية لمحاسبة حقيقية، أي أن العدالة هنا تبدو أقرب إلى “إجراء إداري” منها إلى مسارٍ إصلاحي شامل.
وبإشارات غير مباشرة، وإن كانت واضحة، فإن التقرير يعترف بجذور الأزمة ممثلة في التوترات المجتمعية والنزعات الطائفية بالإضافة إلى غياب الثقة، لكن المفارقة أن الحلول المقترحة، رغم أهميتها، لا تزال في إطار التوصيات، دون مؤشرات على وجود مشروع سياسي متكامل لإعادة بناء الهوية الوطنية، فالاندماج الوطني لا يتحقق عبر لجان تحقيق فقط أو إجراءات أمنية، أو حتى محاكمات جزئية، بل يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد مع إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتمثيل عادل للشعوب بما يحقق معالجة حقيقية للمظالم التاريخية.
في ضوء ما سبق، يطرح التقرير دون أن يقصد سؤالًا حرجًا: هل نحن أمام “سوريا جديدة”، أم أمام نسخة معدّلة من الدولة القديمة؟ فالمؤشرات الحالية توحي بأن الدولة لا تزال تعتمد المقاربة الأمنية، ولا توجد رؤية واضحة لإدارة التنوع، بل إنه يتم التعامل مع الأزمات بعد وقوعها، لا منعها، ما يعني أننا لسنا بصدد انتقال نحو الاستقرار، بل إدارة مستمرة للأزمات.
الغاية إذاً، أن أحداث السويداء تكشف أن المشكلة في سوريا اليوم ليست فقط في ضعف المؤسسات، بل في غياب الإرادة السياسية لبناء اندماج وطني حقيقي، فالدولة التي لا تحتكر السلاح، ولا تضبط الفاعلين، ولا تبني جسور الثقة بين شعوبها، لا يمكنها أن تنتج استقرارًا مستدامًا. وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال الأهم: هل تسعى الدولة فعلًا إلى بناء وطن جامع، أم أنها تكتفي بإدارة التوازنات الهشة؟ الإجابة، حتى الآن، تبدو واضحة في الميدان لا في التقارير.
No Result
View All Result