No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
يحتفل شعبنا الكردي كل عام في الحادي والعشرين من آذار بعيد نوروز، هذا العيد الذي يصل هذا العام الى 2638م. يتجاوز كونه مناسبة فلكلورية أو موسمية ليصبح رمزاً عميقاً للحرية والكرامة والانتفاض بوجه الظلم. على مرّ التاريخ، لم يكن نوروز مجرد بداية للربيع في كردستان، بل كان بداية متجددة للأمل والنضال. فقد حمل هذا اليوم في ذاكرة شعبنا معنى الثورة والانبعاث، مستنداً إلى قصة البطل الكردي كاوا الحداد الذي أشعل النار إيذاناً بسقوط الطغيان وانتصار إرادة الشعب. وهي تصادف يوم سقوط عاصمة الإمبراطورية الآشورية نينوى في 612 ق. م.
رغم محاولات المنع والقمع التي تعرض لها شعبنا الكردي عبر عقود طويلة من الزمن، وعلى أيدي أنظمة محتلة وغاصبة، ظل نوروز يوماً يتجدد فيه العهد بالحرية، وتشتعل فيه شعلة المقاومة في القلوب قبل الجبال والسهول.
نوروز في الذاكرة التاريخية لشعبنا الكردي
تعود جذور نوروز في الوجدان الكردي إلى آلاف السنين، حيث ارتبطت القصة التي تحولت الى ما يشبه الأسطورة والتي تروي انتفاضة كاوا الحداد ضد الملك الطاغية الضحاك. ووفق هذه الرواية، كان الضحاك يفرض الظلم ويضحي بالشباب، حتى قاد كاوا ثورة شعبية أنهت حكمه. وعندما تحقق النصر أشعل الناس النيران فوق الجبال لإعلان الحرية، ومنذ ذلك الحين أصبحت النار رمزاً للخلاص والانبعاث.
لهذا السبب، لم يكن نوروز مجرد عيد ربيعي عند الكرد، بل يوم الثورة والكرامة. وكان إشعال النيران على قمم الجبال تعبيراً عن رسالة واضحة: أن شعلة الحرية لا يمكن إخمادها مهما اشتدت العواصف.
نوروز تحت القمع والمنع في زمن الأنظمة
خلال العقود الماضية، وخاصة في ظل الأنظمة الحاكمة على كردستان، تعرض الاحتفال بنوروز لقيود كبيرة ومحاولات طمس واضحة. ففي تركيا ومن أجل إعادة إحياء النوروز وبقوة، ومن خلال ثلاثة أعواد ثقاب؛ أشعل المناضل والثائر الكبير مظلوم دوغان النار بجسده في سجن آمد يوم 21 آذار 1982 لتستمر شعلة النوروز من كاوا الحداد إلى كاوا العصر “مظلوم دوغان”. بينما في سوريا والعراق حيث كان يحكمها نظام البعث الشوفوني، كان الاحتفال بالعيد يواجه صعوبات وعراقيل كثيرة، لكن رغم ذلك كان الملايين من الشعب الكردي في الجزأين الملحقين بهما ينزلون الى الساحات ويحتفلون بالعيد رغم المضايقات الأمنية الكثيرة. وفي سوريا ونتيجة لمنع السلطات الاحتفال بالعيد سنة 1986، خرج الآلاف في العاصمة دمشق متوجهين إلى القصر الجمهوري للمطالبة بالسماح لهم بالاحتفال، فما كان من الحرس الجمهوري سوى إطلاق النار عليهم مما أدى الى استشهاد الشاب سليمان آدي. وفي العام التالي أصدر الأسد الأب مرسوماً باعتبار يوم 21 آذار عطلة رسمية ولكن تحت مسمّى عيد الأم وليس عيد النوروز.
نوروز ذاكرة الشهداء والتضحيات
عبر تاريخ النضال الكردي، ارتبط نوروز بذكريات العديد من الشهداء الذين ضحوا بحياتهم من أجل أن تبقى شعلة الحرية مضيئة. بعد المناضل مظلوم دوغان (كاوا العصر)، الذي أعاد روح المقاومة إلى النوروز، وفي يوم 21 آذار 1990 أشعلت زكية آلكان النار في جسدها في ناحية سور بولاية آمد الكردستانية عند بوابة رها بشعار” تحيا نوروز”. كما أضرمت رهشان ديميريل النار في جسدها يوم 21 آذار 1992 في مدينة إزمير التركية، لتصبح رمزاً من رموز “نوروز” المقاومة. وفي العام نفسه استشهد 21 شخصاً في نوروز نصيبين في مجزرة ارتكبها الجيش التركي.
نوروز يتخطى الحدود ويرتبط مع الثامن من آذار
الاحتفال بالنوروز عن طريق إشعال النار في الأجساد الطرية لم يقتصر على داخل كردستان، بل تعداها إلى الخارج. ففي 21 آذار من عام 1994 وفي مدينة “مانهايم” الألمانية أشعلت الشابتان الكرديتان نيلكون يلدرم (بيريفان) وبدرية تاش (روناهي) النار بجسديهما استنكاراً لمنع الدولة الألمانية الاحتفال بعيد نوروز، فانتشر صدى عملية روناهي وبيريفان في كردستان وأوروبا بشكل كبير. بعد عملية روناهي وبيريفان بأربع سنوات، هذه المرة في السجن، كان ستشتعل نار نوروز بجسد امرأة كردية تسعى إلى الحرية، سما يوجا التي قالت: “أريد أن أكون جسراً من النار يربط الثامن من آذار بـ 21 آذار ” حيث أشعلت النار في جسدها في 21 آذار 1998 في سجن جنكليه ونُقلت سما يوجا على إثرها والتي أصيبت بجروح خطيرة، إلى مستشفى كلية الطب بكلية الجراحة في إسطنبول واستشهدت بعد 84 يوماً في 17 حزيران.
عفرين ونار النوروز تهمة
دولة الاحتلال التركي دخلت عفرين يوم 18 آذار 2018 أي قبل النوروز بثلاثة أيام، لم يكن هناك أية إمكانية للاحتفال بالنوروز في ظل الحرب والاحتلال والاعتداءات من جانب المجموعات المرتزقة التي رافقت الجيش التركي الفاشي في الدخول إلى عفرين. أول ما قاموا به كان هدم وتكسير تمثال كاوا الحداد من ساحة عفرين الرئيسية. الأمر الأكثر والأشد إيلاماً للكرد حدث في نوروز عام 2023 بناحية جندريسه. كان أفراد عائلة “بيشمركة” الكردية يشعلون النار أمام منزلهم في الناحية عندما جاءت مرتزقة ما يُسمّى “جيش الشرقية” وأطلقوا النار عليهم ما أدى الى استشهاد أربعة منهم. لقد أصبحت هذه التضحيات جزءاً من ذاكرة نوروز، حيث لا تكتمل الاحتفالات دون استذكار الشهداء الذين مهدوا الطريق للأجيال القادمة.
نوروز هذا العام.. نوروز الوحدة والحرية
في هذا العام، يكتسب نوروز معنى إضافياً في ظل التحديات التي تواجه الشعب الكردي في مختلف أجزاء كردستان. فبعد سنوات من الصراعات والمؤامرات السياسية، يبدو أن هذا العيد أصبح مناسبة لتعزيز الوحدة والتكاتف بين الكرد. لقد شهدت الساحة الكردية خلال الأشهر الماضية تحركات ومبادرات عديدة تهدف إلى توحيد الصفوف وتجاوز الخلافات الداخلية، إدراكاً بأن المرحلة الراهنة تتطلب تضامناً أكبر في مواجهة التحديات. ولهذا يصف الكثيرون نوروز هذا العام بأنه نوروز الوحدة والحرية، حيث تتلاقى آمال الشعب الكردي في بناء مستقبل قائم على التضامن والكرامة والحقوق.
الأسرى والمختطفون… قضية لا يمكن تجاهلها
من بين القضايا التي تبرز في نوروز هذا العام أيضاً قضية الأسرى والمعتقلين الكرد في سجون السلطة في دمشق. فهناك عدد كبير من الشبان ما يزالون خلف القضبان. إن الاحتفال بعيد النوروز بالنسبة لعائلات هؤلاء الأسرى يحمل معنى مختلفاً؛ فهو يوم أمل بعودة أبنائهم إلى الحرية. ولذلك؛ ترتفع في العديد من الاحتفالات المطالب بإطلاق سراح المعتقلين والكشف عن مصير المختطفين. إن الحرية التي يرمز إليها نوروز لا يمكن أن تكتمل بينما ما يزال الكثير من أبناء الشعب الكردي محرومين منها. وهذا ما أكّد عليه القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية الجنرال مظلوم عبدي خلال الكلمة التي ألقها في مراسم تشييع السياسي والمناضل الكردي صالح مسلم في كوباني.
رغم الإبادات والمجازر… نوروز مستمر
على مدار التاريخ الحديث، تعرض شعبنا الكردي لسلسلة من المآسي، من حملات الإبادة والتهجير إلى المجازر والاعتقالات. ومع ذلك، بقي نوروز حاضراً في كل مرحلة على شكل إعلان دائم بأن الحياة أقوى من الموت. فحتى في أحلك الظروف، لم يتوقف الكرد عن إشعال نار نوروز. كانوا يفعلون ذلك في القرى الصغيرة، في مخيمات اللجوء، وفي المنافي البعيدة؛ لأن هذا العيد لم يكن مجرد تقليد ثقافي، بل كان تعبيراً عن إرادة شعب يرفض الاستسلام ويقاوم من أجل الوصول الى الحرية.
نوروز… رسالة إلى المستقبل
اليوم، ومع حلول نوروز جديد، يتجدد الأمل لدى شعبنا الكردي بأن المستقبل سيكون أفضل. فالنار التي أشعلها كاوا الحداد قبل آلاف السنين لم تكن مجرد نار حقيقية، بل كانت رمزاً لفكرة لا تموت: “الشعوب قادرة على كسر القيود مهما طال الزمن”. إن نوروز اليوم ليس فقط ذكرى الماضي، بل رسالة إلى الأجيال القادمة بأن الحرية تستحق التضحية، وأن الشعوب التي تتمسك بهويتها وثقافتها قادرة في النهاية على تحقيق أحلامها. وهكذا، وبين الفرح والألم، وبين الذاكرة والأمل، يستمر شعبنا الكردي في الاحتفال بنوروز عاماً بعد عام، مؤكداً أن نار الحرية ستبقى مشتعلة، وأن الربيع سيعود دائماً مهما طال الشتاء.
No Result
View All Result