No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف ـ لا يشبه هذا العيد سابقاته عند أمهات الأسرى، ففي الوقت الذي تُشعل فيه النيران على التلال احتفالاً بقدوم الربيع، تشتعل في صدورهن نيران أخرى نيران الانتظار، وبينما الناس تترقب قدوم عيد الفطر ونوروز تترقب الأمهات الأخبار بحثاً عن خبر لخروج الأسرى، ونوروز هذا العام يمر عليهن ثقيلاً، كأنه يختبر صبرهن المحمل بالإيمان.
في الساحات، لا يحملن فقط صور أبنائهن، بل يحملن أعماراً كاملة من الاشتياق، وجوهٌ أنهكها الغياب، وتجاعيد لم ترسمها السنوات وحدها، بل رسمها الانتظار الطويل. العيون ما زالت معلقة ببابٍ قد يُفتح في أي لحظة، تراقب كل حركة، وكل تفصيل، وكأن الغائب قد يظهر فجأة بين الجموع.
إحداهن تحتضن ثياباً جديدة، تطويها بيديها مراراً، ثم تفتحها، وكأنها تقيس الغياب على مقاسها. اشتريتها له ربما يعود في نوروز، وأخرى تُخفي دمعتها خلف ابتسامة متعبة، تردّ أنها تريد أولادها الاثنين، ثم تعود إلى صمتها، كأن الكلام لم يعد قادراً على حمل ما في داخلها. الأحاديث بينهن قليلة، لكنها متشابهة. أسماء تُذكر، تواريخ تُستعاد، وتفاصيل صغيرة تُروى وكأنها حدثت بالأمس، لا حاجة لكثير من الشرح، فكل واحدة تعرف ما تقوله الأخرى، حتى قبل أن تكمل جملتها.
ومع مرور الوقت، لا يتغير حضورهن. لا تزال هذه القضية جزءاً ثابتاً من حياتهن اليومية، لا تنفصل عنها. لا تتحول إلى ذكرى، ولا تُغلق، بل تبقى مفتوحة، كما هي، دون نهاية واضحة ويبقى عيد الفصح لهذا العام ناقصاً، مؤجلاً إلى وقتٍ لا يزال مجهولاً.
شعلة الحرية لا تنطفئ
الحكاية لا تقتصر على أمٍ واحدة، بل تمتد إلى نساء كثيرات، لكل واحدةٍ منهن تفاصيلها الخاصة، لكن يجمعهن انتظار واحد. بينهن من لم ترَ ابنها منذ سنوات، ومنهن من أخبرها أنه عائد ولكنه أسر منذ أشهر، ومنهن تعلّقت بخبرٍ قديم لم يتكرر، تتشابه القصص في نهاياتها المفتوحة، وتختلف فقط في تفاصيل البداية.
نوروز هنا ليس فقط طقوساً من الرقص والغناء، بل عيداً وطنياً قاومن من أجله الكرد خرجوا للاحتفال سراً واليوم يشعلون نيران نوروز في كل الساحات نيران الثورة والمقاومة التي انتصرت في النهاية، وذلك بفضل الشهداء وأبناء المنطقة الذين ناضلوا من أجل الحق وكل شعلة نار تُوقد، تُذكّر الأمهات بأن أبناءهن قاموا من أجل هذه الأرض ومنهم ما زالوا خلف قضبان لا تُرى، وأن الحرية التي يحتفل بها الآخرون لم تكتمل بعد، الأصوات المرتفعة في الساحات تمرّ بجانبهن، دون أن تغيّر من صمتهن شيئاً.
ورددت الكثيرات: “نحن لا نطلب المستحيل نريد أن نرى أبناءنا، أن نحتفل معهم ولو لمرة واحدة”. كلماتهن تخرج محملة بالحسرة تتوقفن عند بعض الحروف، ثم يكملن، وكأنهن يعيدن ترتيب الألم داخلهن قبل أن تنطقه.
في نوروز، حين ترتفع النيران في السماء، تبقى هذه الوجوه ثابتة في مكانها، تراقب المشهد من زاوية مختلفة. لا تشارك في تفاصيل الاحتفال، لكنها لا تغيب عنه حضورها مرتبط بما ينقصه، لا بما يكتمل فيه.
وبالرغم من الحسرة والكسرة التي ألمت قلبه ما زلن يؤمن بعودة أبنائهن، وقد كويت ملابس العيد وطبقتها بعناية من أجل أبناء على أبواب الخروج ليرتدوها، ومع قدوم نوروز تردد الأمهات أن الأمل ما زال موجوداً، فمع نار الحرية التي توقد في نوروز تعود لتذكرهن أن ما حاربن من أجله أصبح حقيقة.
No Result
View All Result