No Result
View All Result
أيمن روج
يأتي عيد النوروز كل عام حاملاً معه طبقات متراكمة من المعاني التي لا يمكن اختزالها في مجرد بداية فصل الربيع؛ إذ يشكّل في الوعي الكردي لحظة تداخل بين الأسطورة والتاريخ والسياسة، بين الحلم والواقع، وبين الألم والأمل، فهو اليوم الذي يستعيد فيه الكرد سرديتهم الخاصة عن الحرية، ويؤكدون من خلاله إنهم شعب لم تنجح كل محاولات الإلغاء في محو هويته. فالنار التي تُشعل على قمم الجبال ليست طقساً فلكلورياً بقدر ما هي رسالة متجددة مفادها أن جذوة الوجود الكردي ما زالت حيّة، وأن النوروز ليس حدثاً زمنياً عابراً، بل حالة مستمرة من الوعي الجماعي الذي يربط الماضي بالحاضر ويستشرف المستقبل.
من هنا اكتسب هذا اليوم طابعه القومي، لأنه يتجاوز الانتماءات الضيقة، ويجمع الكرد على اختلاف مناطقهم ولهجاتهم وتجاربهم السياسية في لحظة رمزية واحدة تختصر معنى الانتماء لشعب واحد موزّع على خرائط متعددة.
هذا التوزّع لم يكن خياراً طوعياً، بل نتيجة مسار تاريخي معقّد بدأ مع نهاية الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية، حيث بدا أن الفرصة سانحة أمام الكرد لنيل نوع من الكيان السياسي المستقل. لكن؛ توازنات القوى الدولية ومصالحها سرعان ما أعادت رسم المنطقة وفق حسابات لم يكن فيها مكان لطموحات الشعوب الصغيرة، فتم تقسيم كردستان بدايةً ضمن ترتيبات دولية غير مستقرة، ثم ترسّخ هذا التقسيم بشكل نهائي مع اتفاقيات لاحقة، أبرزها معاهدة لوزان، التي ألغت فعلياً أي إمكانية لقيام كيان كردي مستقل، لتُوزّع الأراضي الكردية بين أربع دول رئيسية: تركيا، إيران، العراق، وسوريا، وبذلك لم يعد الحديث عن “جزأين” كما كان في بعض المراحل الأولى، بل عن أربعة أجزاء لكل منها سياقه السياسي المختلف، وهو ما انعكس على طبيعة الحركة الكردية نفسها، التي أصبحت مجزأة تبعاً لخصوصية كل دولة، ما أضعف القدرة على تشكيل مشروع موحّد، رغم استمرار الإحساس العميق بالانتماء إلى جغرافيا وهوية مشتركة. 
ومع مرور العقود، لم يكن النوروز مجرد ذكرى تراثية، بل تحوّل في كثيرٍ من الأحيان إلى فعلٍ سياسي بامتياز، خاصةً في البيئات التي تعرّض فيها الكرد لمحاولات قمع هويتهم الثقافية، حيث مُنعت اللغة أحياناً، وحوصرت الرموز، وتم التضييق على الاحتفالات. الأمر الذي جعل من إحياء النوروز بحد ذاته نوعاً من المقاومة الرمزية، وهنا تبرز محطة مفصلية في التاريخ الكردي الحديث تتمثل في الدور الذي لعبه الشهيد مظلوم دوغان، الذي أعاد إحياء مفهوم النوروز بروحه النضالية، عندما حوّل هذا اليوم من مناسبة تقليدية إلى فعل مقاوم يحمل دلالة التحدي، ففي عام 1982، داخل سجن آمد، وفي ظروف قمعية قاسية، أقدم على إشعال النار في زنزانته في يوم النوروز، في رسالةٍ رمزية عميقة تعيد ربط الحاضر بأسطورة كاوا الحداد، وتؤكد أن روح المقاومة لا يمكن إخمادها حتى في أقسى الظروف. وقد أصبح هذا الفعل لاحقاً نقطة تحوّل في الوعي الكردي، حيث عاد النوروز ليُحتفل به ليس فقط كعيد، بل كرمز للنضال والكرامة والتمسّك بالهوية، ما أعاد شحن هذا اليوم بطاقة سياسية ومعنوية كبيرة امتدت آثارها إلى مختلف أجزاء كردستان.
وفي ظل هذا التاريخ المثقل بالتقسيم والتجارب المتباينة، تبرز مسألة الوحدة الكردية كواحدة من أكثر القضايا إلحاحاً وتعقيداً في آنٍ واحد، فهي ليست مجرد شعار عاطفي، بل ضرورة سياسية واستراتيجية، لأن التشتت بين الأجزاء الأربعة جعل كل تجربة كردية عُرضة للضغوط بشكلٍ منفصل، وأضعف القدرة على الدفاع عن الحقوق أو تحقيق مكاسب مستدامة. كما أن غياب التنسيق، في كثير من الأحيان، أدى إلى تضاربٍ في المصالح أو الرؤى، وهو ما استغلته القوى الإقليمية والدولية لتعميق الانقسام. لذلك، فإن الحديث عن الوحدة اليوم لا يعني بالضرورة الذهاب نحو نموذج الدولة الموحّدة بالمعنى الكلاسيكي، بل يمكن أن يتجسّد في أشكال متعددة من التعاون والتكامل السياسي والثقافي والاقتصادي، تبدأ من بناء خطاب مشترك وتفاهمات داخلية، وصولاً إلى تنسيق المواقف في القضايا المصيرية.
وتزداد أهمية هذه الوحدة في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها المنطقة، حيث تتقاطع الأزمات وتتشابك الملفات، من صراعات النفوذ إلى التحولات الجيوسياسية، ما يجعل أي فراغ أو انقسام داخلي نقطة ضعف يمكن استغلالها بسهولة. وفي المقابل، فإن أي قدر من التماسك يمكن أن يشكّل عنصر قوة حقيقي، ليس فقط في مواجهة التحديات، بل أيضاً في صياغة دور فاعل في مستقبل المنطقة. وهنا يعود النوروز ليؤدي دوره كأكثر من مجرد ذكرى، بل كمنصة رمزية لإعادة التأكيد على المصير المشترك، وكفرصة سنوية لإعادة طرح سؤال الوحدة بصيغة واقعية وعقلانية، بعيداً عن الشعارات، وقريباً من فهم تعقيدات الواقع.
وهكذا يبقى النوروز، في جوهره، تعبيراً عن استمرارية شعب، وعن قدرته على تحويل الألم إلى معنى، والانقسام إلى دافع للبحث عن أشكال جديدة من التلاقي. وبين نار الأسطورة التي أشعلها كاوا، وشرارة التحدي التي جسدها مظلوم دوغان، يستمر هذا اليوم في حمل رسالته عبر الأجيال: بأن الحرية ليست حدثاً عابراً، بل مسار طويل يتطلب وعياً وصبراً ووحدة، وإن الشعوب التي تحافظ على ذاكرتها قادرة دائماً على إعادة كتابة مستقبلها، مهما اشتدت العواصف.
No Result
View All Result