No Result
View All Result
محمد عيسى
لم يكن كانون الأول 2024 مجرد نهاية فصل سياسي طويل في تاريخ سوريا، بل بدا لكثير من السوريين لحظة إعلانٍ عن بداية مرحلة جديدة رُفعت فيها شعارات كبيرة: “الانتقال السياسي”، “إعادة بناء الدولة”، “إنقاذ الاقتصاد”، و”إعادة الإعمار”. في تلك الأيام، تحدثت الحكومة السوريّة المؤقتة عن برنامج اقتصادي واسع يفترض أن يعالج الانهيار الذي تراكم خلال أكثر من عقدٍ من الحرب والعقوبات والتفكك الاقتصادي. قيل يومها إن عام 2025 سيكون عام تثبيت الاستقرار النقدي، وإن الرواتب سترتفع تدريجياً، وإن الليرة السوريّة ستستعيد جزءاً من قيمتها، وإن الأسواق ستشهد ضبطاً للأسعار وإعادة تنشيط للإنتاج. 
لكن مع دخول عام 2026، باتت تلك الوعود تبدو بعيدة عن واقع الحياة اليومية في دمشق وحلب وحمص وحماة وإدلب، فبدلاً من مؤشرات التعافي، واجه السوريون موجة جديدة من الغلاء والتدهور في القدرة الشرائية، فيما بقيت الرواتب شبه ثابتة، وتقلصت الخدمات الأساسية إلى حدها الأدنى. في الأحياء الشعبية والأسواق القديمة، لم يعد الحديث يدور حول فرص العمل أو الاستثمار أو إعادة الإعمار، بل حول كيفية تأمين وجبة يومية أو دفع إيجار منزل أو شراء الخبز.
لقد تحولت الحياة الاقتصادية في مناطق سيطرة الحكومة السورية المؤقتة إلى ما يشبه اقتصاد البقاء، حيث تكافح العائلات لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها، بينما تتكرر الخطابات الرسمية عن “التعافي التدريجي” و”الانفتاح الاستثماري” دون أن يلمس المواطن أثراً حقيقياً لها في حياته اليومية. ومع حلول رمضان 2026، بلغت هذه الأزمة ذروة جديدة، حين ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية واللحوم والدواجن إلى مستويات غير مسبوقة، ما جعل كثيراً من السوريين يصفون هذا الشهر بأنه واحد من أصعب المواسم المعيشية منذ سنوات.
وسط هذا المشهد، تبرز مفارقة قاسية: عام كامل من الوعود الاقتصادية، في مقابل واقعٍ لا تكفي فيه الرواتب لأسبوعٍ واحد، ولا تصل الكهرباء إلا لساعات محدودة، ولا يستطيع الموظف الحكومي تأمين احتياجات أسرته الأساسية دون الاعتماد على التحويلات الخارجية أو العمل الإضافي. وهكذا، يتسع الفارق يوماً بعد يوم بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن “مرحلة انتقال اقتصادي”، وبين واقعٍ يعيشه ملايين السوريين على حافة الفقر.
الليرة السوريّة… دوامة الانهيار وفقدان الثقة
إذا كان انهيار سعر الصرف أحد أبرز المؤشرات على عمق الأزمة الاقتصادية، فإن مسار الليرة السورية خلال عامي 2025 و2026 يكشف بوضوح حجم الاختلال البنيوي الذي يضرب الاقتصاد في مناطق الحكومة السوريّة المؤقتة. فمنذ آب 2025، حين تجاوز سعر الدولار حاجز 12 ألف ليرة سوريّة في السوق الموازية، دخلت الأسواق في مرحلة جديدة من الاضطراب النقدي. لم تعد نشرات مصرفية أو بيانات رسمية قادرة على ضبط إيقاع السوق، إذ أصبح السعر الحقيقي للعملة يتحدد عملياً خارج المؤسسات المالية.
ومع بداية كانون الثاني 2026، اتسعت الفجوة بين السعر الرسمي والسعر المتداول فعلياً في الأسواق، الأمر الذي دفع معظم التجار إلى اعتماد ما بات يُعرف محلياً بـ”التسعير المقنّع بالدولار”. بمعنى أن السلع تُسعَّر وفق سعر الصرف في السوق الموازية، حتى لو تم دفع ثمنها بالليرة السوريّة، هذا الأسلوب جعل أي ارتفاع في سعر الدولار ينعكس فوراً على أسعار السلع الغذائية والدواء والوقود ومواد البناء.
في دمشق، على سبيل المثال، ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية خلال الأشهر الأولى من عام 2026 بنسب تراوحت بين 30 و60 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025. وفي حلب، قفزت أسعار بعض السلع مثل السكر والزيت والأرز بنسب تجاوزت 70 في المئة خلال أقل من ستة أشهر، فيما شهدت أسواق حمص وحماة تراجعاً ملحوظاً في استهلاك اللحوم ومنتجات الألبان بسبب ارتفاع أسعارها إلى مستويات تفوق قدرة معظم الأسر. 
هذا التدهور في قيمة العملة لم يكن مجرد ظاهرة نقدية، بل تحول إلى عاملٍ يضغط على كل مفاصل الحياة الاقتصادية. فالرواتب التي تُدفع بالليرة فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها الشرائية، في حين أصبحت السلع مرتبطة بشكلٍ مباشر بتقلبات الدولار. ومع غياب أدوات رقابة فعالة على الأسواق، تمكنت شبكات الوسطاء والتجار من فرض أسعارها الخاصة، ما خلق تفاوتاً واضحاً في الأسعار بين منطقة وأخرى.
ولعل أكثر ما يثير القلق أن الثقة بالعملة المحلية باتت في أدنى مستوياتها منذ سنوات. ففي العديد من الأسواق، يفضّل التجار التعامل بالدولار أو بما يعادله، فيما يلجأ بعض المواطنين إلى تخزين العملات الأجنبية أو الذهب لحماية مدخراتهم من التآكل. وهكذا، تتحول الليرة السوريّة تدريجياً من أداة تبادل رئيسية إلى عملة ضعيفة تستخدم فقط في المعاملات اليومية الصغيرة.
رمضان 2026… موسم الغلاء الأكبر منذ سنوات
حين حلّ شهر رمضان في شباط 2026، كان السوريون يأملون على الأقل أن يتمكنوا من تأمين الحد الأدنى من مستلزمات هذا الشهر الذي يحمل تقاليد اجتماعية وغذائية خاصة، لكن الواقع الاقتصادي سرعان ما حوّل هذا الموسم إلى اختبار قاسٍ جديد لقدرة العائلات على الصمود.
فمع الأيام الأولى من رمضان، بدأت الأسواق في دمشق وريفها تشهد موجة ارتفاعات متتالية في أسعار المواد الغذائية. وكان أبرز هذه الارتفاعات في أسعار اللحوم الحمراء، التي تعدّ مكوناً أساسياً في كثير من الوجبات الرمضانية، ففي بعض الأسواق الشعبية في العاصمة، وصل سعر كيلوغرام لحم الغنم إلى نحو 225 ألف ليرة سوريّة، فيما تراوح سعر كيلوغرام لحم العجل بين 130 و140 ألف ليرة سوريّة.
هذه الأرقام تعني عملياً أن شراء كيلوغرام واحد من اللحم بات يعادل جزءاً كبيراً من راتب موظف حكومي. فمتوسط الرواتب الشهرية في مؤسسات الدولة لا يتجاوز في كثير من الحالات مليون أو مليون ونصف ألف ليرة سورية أي ما يعادل الـ100 دولار أمريكي، وهو ما يجعل اللحوم سلعة شبه غائبة عن موائد معظم العائلات.
النتيجة كانت واضحة في الأسواق: انخفاض كبير في الطلب على اللحوم الحمراء، مقابل ارتفاع في استهلاك البدائل الأرخص مثل العدس والبرغل والخضار. كثير من العائلات باتت تعتمد على وجبات بسيطة خلال الإفطار، بينما اختفت أطباق تقليدية كانت تعتبر جزءاً أساسياً من المائدة الرمضانية. ولم يكن ارتفاع أسعار اللحوم مجرد نتيجة لزيادة الطلب الموسمي، بل جاء نتيجة عوامل اقتصادية أعمق، فقد شهدت سوريا خلال السنوات الأخيرة تراجعاً كبيراً في أعداد الثروة الحيوانية، نتيجة ارتفاع تكاليف الأعلاف ونقص المياه وارتفاع أسعار الطاقة. كما أن جزءاً من المواشي يتم تهريبه أو تصديره إلى الخارج بحثاً عن أسعار أعلى، ما يقلل العرض في الأسواق المحلية.
إضافةً إلى ذلك، يعتمد مربو المواشي بشكلٍ كبير على الأعلاف المستوردة، التي تُدفع قيمتها بالدولار. ومع تدهور سعر الليرة، ارتفعت تكاليف الإنتاج بشكلٍ كبير، الأمر الذي انعكس مباشرةً على أسعار اللحوم في الأسواق.
الدواجن والمواد الأساسية… حتى البدائل لم تعد رخيصة
إذا كانت اللحوم الحمراء قد أصبحت سلعة نادرة على موائد كثير من السوريين، فإن الدواجن التي كانت تعتبر البديل الأرخص لم تسلم هي الأخرى من موجة الغلاء. فخلال رمضان 2026، ارتفعت أسعار الدجاج في العديد من الأسواق بنسبة تجاوزت 45 في المئة مقارنةً بالعام السابق.
هذا الارتفاع يعود إلى عدة عوامل، أبرزها ارتفاع أسعار الأعلاف والطاقة والنقل، فقد أدت زيادة تكاليف الإنتاج إلى خروج عدد كبير من المداجن الصغيرة من العمل، ما قلل العرض في الأسواق ورفع الأسعار بشكلٍ إضافي.
في بعض أسواق دمشق، تجاوز سعر كيلوغرام الدجاج 60 ألف ليرة سوريّة، وهو رقم مرتفع بالنسبة لعائلات تعيش على دخل محدود. أما البيض، الذي كان يعدّ أحد أرخص مصادر البروتين، فقد شهد أيضاً ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار. لكن؛ الأزمة لم تقتصر على اللحوم والدواجن، فقد شهدت أسعار معظم المواد الغذائية الأساسية ارتفاعات ملحوظة خلال الأشهر الأولى من العام، فأسعار الخضار مثل البندورة والبطاطا والباذنجان ارتفعت بشكلٍ كبير نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج. كما شهد الخبز المدعوم تقليصاً في الكميات المتاحة في بعض المناطق، ما دفع كثيراً من المواطنين إلى شراء الخبز السياحي بأسعارٍ أعلى.
في الأسواق الشعبية، يمكن ملاحظة تغير واضح في أنماط الشراء، فبدلاً من شراء كميات كبيرة من المواد الغذائية كما كان يحدث في سنوات سابقة، بات كثير من المواطنين يشترون كميات صغيرة تكفي ليوم أو يومين فقط، في محاولة للتكيّف مع الأسعار المرتفعة.
واقع الفجوة بين الدخل والأسعار
ربما يكون العامل الأكثر قسوة في هذه الأزمة هو الفجوة المتزايدة بين الدخل والأسعار، فحتى مع ارتفاع تكاليف المعيشة بشكلٍ كبير، بقيت الرواتب في مؤسسات الدولة شبه ثابتة، ولم تشهد الزيادات التي وعدت بها الحكومة السوريّة المؤقتة خلال عام 2025.
في العديد من القطاعات الحكومية، لا يتجاوز متوسط الراتب الشهري مليون إلى مليون ونصف ألف ليرة سوريّة، وهو مبلغ بالكاد يكفي لتغطية جزء صغير من احتياجات الأسرة، فعلى سبيل المثال، يمكن أن تصل تكلفة سلة غذائية أساسية لعائلة من خمسة أفراد إلى أكثر من 2.5 مليون ليرة سورية شهرياً، وهو ما يعادل ضعف متوسط الرواتب.
هذه الفجوة دفعت كثيراً من العائلات إلى البحث عن مصادر دخل إضافية. بعض الموظفين يعملون في وظائف ثانية بعد انتهاء دوامهم الرسمي، بينما يعتمد آخرون على التحويلات المالية من أقارب يعيشون في الخارج. ومع ذلك، يبقى كثير من الأسر عاجزة عن تغطية نفقاتها الأساسية.
وعلى الرغم من هذه المؤشرات المقلقة، تستمر الخطابات الرسمية في الحديث عن “خطط اقتصادية” و”برامج إصلاح”. غير أن المواطن العادي، الذي يواجه يومياً ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات، يجد صعوبة في رؤية أي أثر ملموس لهذه الوعود على أرض الواقع.
هكذا، يقف السوريون في مناطق الحكومة السورية المؤقتة مع نهاية الربع الأول من عام 2026 أمام واقع اقتصادي معقد: عملة تتراجع قيمتها، أسعار تتصاعد بسرعة، دخل ثابت أو متآكل، وخدمات عامة تعاني من ضعف مزمن. وبين الخطاب الرسمي الذي يعد بمرحلة تعافٍ قريبة، والواقع المعيشي الذي يزداد صعوبة، تتسع الهوة يوماً بعد يوم.
وفي هذه الهوة تحديداً، تتشكل ملامح المرحلة الاقتصادية الجديدة في سوريا: مرحلة لا يحكمها فقط نقص الموارد أو آثار الحرب، بل أيضاً أزمة ثقة عميقة بين الوعود السياسية والواقع الاقتصادي الذي يعيشه ملايين السوريين كل يوم.
No Result
View All Result