No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف ـ كبر أطفال عفرين بين التهجير والحرمان من المدرسة والبيت، لكنهم ما زالوا يحملون في قلوبهم حلماً بسيطاً بالعودة إلى مدينتهم واستعادة طفولتهم.
لم يكن “رشيد رفعت إبراهيم” يتجاوز عاماً ونصفاً عندما غيّر القصف الذي طال مدينة عفرين عام 2018 حياته إلى الأبد، أصبح عمره 12 عاماً، لكنه يجلس بصمت طويل أحياناً، وكأنه يحاول فهم ما حدث له في طفولة لم يتذكر منها شيئاً سوى الألم والحرمان.
وفي لقاء مع صحيفتنا “روناهي”، قال رشيد إبراهيم بصوت خافت وهو ينظر إلى قدمه المصابة: “أنا لا أتذكر القصف، لكن أمي تقول إنني كنت صغيراً جداً عندما أصبت، أريد فقط أن أشفى حتى أستطيع اللعب كباقي الأطفال”.
أصيب إبراهيم بشظية خلال القصف الذي استهدف الأهالي في عفرين، وتركت الإصابة آثاراً قاسية على جسده الصغيرة، وقد تعرض لصدمة دماغية، وهو يعاني منذ ذلك الوقت من اختلاجات متكررة، وشبه شلل في الجهة اليسرى من جسده، فتحولت على إثره طفولته إلى رحلة طويلة من الألم والعلاج.
ولا يتذكر إبراهيم تفاصيل تلك الأيام، لكن عائلته لا تزال تعيش آثارها حتى اليوم، فقد استشهد ثلاثة من إخوته خلال القصف ذاته، فبقيت صورهم حاضرة في البيت، بينما يكبر رشيد إبراهيم وهو يسمع حكايات عن إخوة لم يعرفهم إلا من خلال الصور والذكريات.
وفي الصدد، قالت والدته: “إن طفلها يحتاج اليوم إلى عملية جراحية في قدمه قد تتجاوز تكلفتها خمسة آلاف دولار، وهو مبلغ لا تستطيع العائلة توفيره في ظل ظروف التهجير القاسية التي يعيشونها منذ سنوات، وقد أجبر الأب على عرض كليته للبيع على مواقع التواصل الافتراضي من أجل المال ولكنه لم يجد مشترياً”.
ورغم ما يعيشه من ألم، يحاول “إبراهيم”، أن يتمسك ببعض الأحلام البسيطة فعندما سألناه عما يتمناه: “أريد أن أتعافى وأعود إلى عفرين، أمي تقول، إن لنا هناك بقايا منزل”.
وقصة “رشيد رفعت إبراهيم” ليست سوى واحدة من آلاف القصص التي يحملها أطفال عفرين منذ سنوات، ففي الثامن عشر من آذار عام 2018، احتلت دولة الاحتلال التركي والمجموعات الموالية لها على مدينة عفرين في عملية ما تسمى بغصن الزيتون، لتبدأ بعدها موجة تهجير واسعة أجبرت مئات آلاف الأهالي على مغادرة بيوتهم وقراهم قسراً.
ومنذ ذلك الوقت، كبر أطفال كثيرون بعيداً عن مدينتهم، بين التهجير والترحال، وبعضهم لم يرَ عفرين منذ خروجه منها طفلاً صغيراً. أما الطفل “بركات محمد عبدو“، فهو أيضاً أحد أطفال عفرين الذين عاشوا الخوف والألم والتهجير المتكرر، حيث يتذكر جيداً رحلة التهجير الطويلة التي عاشتها عائلته، ويصفها بأنها كانت مليئة بالخوف وعدم الاستقرار.
قال عبدو: “كنا ننتقل من مكان إلى مكان، في كل مرة كنا نظن أننا سنبقى، لكننا كنا نرحل مرة أخرى”.
بدأت رحلة تهجير عائلة “بركات عبدو” من عفرين إلى منطقة الشهباء، فعاشوا فترة صعبة وسط ظروف إنسانية قاسية ثم انتقلوا إلى حلب، ومنها إلى الرقة، قبل أن تصل العائلة أخيراً إلى مدينة قامشلو. لكن؛ أكثر ما يؤلم بركات هو انقطاعه عن المدرسة، فسنوات التهجير جعلت التعليم حلماً مؤجلاً له، إذ تحولت الكثير من المدارس في المناطق التي مروا بها إلى مراكز إيواء للمهجرين.
فتابع “بركات عبدو” بحزن: “اشتقت للمدرسة، كنت أحب الدراسة كثيراً، أريد أن أعود لمدرستي عند عودتنا إلى عفرين”.
وللطفل “عبدو”، لا تعني العودة مجرد الرجوع إلى مدينة تركها خلفه، بل استعادة حياة طبيعية حُرم منها لسنوات.
ومع مرور الوقت، كبر أطفال عفرين وهم يحملون قصص التهجير في ذاكرتهم الصغيرة، بعضهم فقد أفراداً من عائلته، وآخرون فقدوا مدارسهم وأصدقاءهم وبيوتهم، لكن ما يجمعهم جميعاً هو حلم العودة.
ففي مراكز الإيواء التي يعيش فيها المهجرون اليوم، لا تخلو الأحاديث من ذكر عفرين، يتحدث الكبار عن بيوتهم وحقول الزيتون والطرقات التي كانوا يعرفونها جيداً، بينما يستمع الأطفال لتلك الحكايات وكأنها قصص عن مكان بعيد ينتظرهم.
ورغم قسوة التجربة التي عاشها هؤلاء الأطفال، إلا إنهم ما زالوا يتمسكون بالأمل، فبين علاج ينتظره رشيد إبراهيم، ومقاعد دراسية يحلم بركات عبدو بالعودة إليها، تكبر أحلام جيل كامل من أطفال عفرين الذين ينتظرون يوماً يعودون فيه إلى مدينتهم.
قد لا يفهم هؤلاء الأطفال تفاصيل ما حدث أو أسباب الحرب، لكنهم يعرفون شيئاً واحداً جيداً، أن لهم منزلاً في عفرين ويريدون العودة إليه يوماً ما.
No Result
View All Result