No Result
View All Result
عبد الرحمن محمد
لا تُذكر عفرين إلا ويُذكر معها الكرد بكل خصوصيتهم وتميزهم، عفرين الكردية بكل تضاريسها وزيتونها وجبالها ووديانها، عفرين التراث والأصالة الكردية، عفرين صوت الغناء الشجي والطرب الأصيل والموسيقا الهادرة مع مياه ينابيعها وشموخ جبلها وعلو قامة أبنائها.
لرفعة مقام عفرين في نفس كل كردي، لعظمتها تاريخياً وجغرافياً وتراثياً كانت وما تزال عزيزة على القلب، غالية على الروح، مقدسة في مقامها ورمزاً من رموز الكردايتية والخصوصية، عفرين الشامخة بجيياي كرمينج، والمقدسة في القلوب بزيتونها، لكل هذا وذاك حاولوا تلويث ثوبها الناصع، وتنجيس طهارتها، وتغيير ملامحها الأصيلة، وحاولوا طعن كل كردي في خاصرته باحتلالها وتدنيس ترابها.
مشاهد التحشيد العسكري، والتجييش الإعلامي قُبيل الاحتلال وأثنائه مازالت أمام أعين الكرد، خطاب الكراهية، التهديد والوعيد، وتلك الأصوات النشاز ما زالت تتردد على أسماع الكرد والأحرار في العالم، أصوات جحافل من الحثالات والمرتزقة وشذاذ الآفاق، الذين أعدتهم ودرّبتهم وسلّحتهم الجارة “تركيا” وقياداتها السياسية والعسكرية، للدخول إلى عفرين كمحتلين وغزاة، ليعيدوا إنتاج ثقافة الدم والموت، وليغيروا ثوب عفرين وقلبها وقالبها، لينزلوا من هيبتها ويقللوا من قيمتها ويدنسوا أرضها.
لم تكن عفرين لقمة سائغة إذا حاول الطغاة ابتلاعها، بل إنها وقفت بشيبها وشبابها، بنسائها ورجالها في وجه آلة الحرب التركية والمرتزقة المأجورين، وسطّرت على مدى ثمانية وخمسين يوماً ملاحم بطولة وسطّرت أروع قصص المقاومة والتضحية.
الخروج من عفرين، والتهجير القسري لم يكن هزيمة، بل كان مرحلة ثانية من المقاومة، واللجوء إلى مناطق الشهباء كان خياراً للاستمرار والعمل على العودة مهما طال أمدها، نزفت عفرين خلال ذلك التهجير الكثير من الدم والدمع، ورغم كل محاولات التغيير الديمغرافي والاستيطان والجرائم بحق البشر والحجر والشجر، بقيت عفرين سنديانة أبت السقوط رغم كل جراحاتها.
اليوم نعود ونتذكر ونرى بقلوبنا وعيوننا تلك الجراح وتلك المشاهد الدامية، خلال أيام مقاومة العصر، وما كان يجري خلال أيام وسنوات الاحتلال الثمانية، وتلك الحسرات والدموع التي رافقت التهجير القسري ويوميات الاحتلال وانتهاكات حقوق الإنسان وقطع الشجر وتدمير الطبيعة ونهب الآثار والكثير من مفردات القهر.
اليوم ترتدي عفرين حلتها الربيعية، وتتزين بقدوم نوروز، وتضحك ملء قلبها وهي تستقبل أول أفواج العائدين، وهم مرفوعي الجبين، وفي عيونهم دموع الفرح والسعادة، دموع لا تشبه تلك الدموع التي لم تفارق جفونهم منذ سنوات ثمانية، ووجوه تضحك كما ورود وينابيع عفرين، وقلوب منتشية بالأمل والفرح.
مشاهد العائدين وهم يسجدون في أرض عفرين ويقبّلون ترابها، تلك الأمهات وهنَّ يطفنَ بيوتهن ويتفقدن أيامهن وأطفالهن وأحلامهن، ويقبّلنَ الجدران والنوافذ وعتبات البيوت، مشاهد تهز القلوب والضمائر، ورسائل للعالم بأن الظلم زائل مهما طال وإن الانتصار للإرادة والصبر والمقاومة.
عفرين تبكي مرةً أخرى لكنها تبكي فرحاً، ويضحك زيتونها مرة أخرى، ويكتنز زيتاً مباركاً بطعم الحرية، بعد أن ارتوت أرضها بالدم والدمع مرات ومرات، آن الأوان ليضحك الزيتون.
No Result
View All Result