No Result
View All Result
فالنتينا عبدو
بعد أكثر من ثمانية أعوام من التهجير القسري والانتظار الطويل، وصلت الدفعة الأولى من أهالي عفرين إلى أرضهم التي لم تغب يوماً عن قلوبهم وذاكرتهم. كان المشهد أشبه بلحظة تاريخية تختلط فيها الدموع بالابتسامات، وتتعانق فيها الذاكرة مع الحاضر، وكأن الأرض نفسها كانت تنتظر أبناءها لتستعيد نبض الحياة من جديد.
لم تكن هذه العودة مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت عودة الروح إلى الجذور، وعودة الإنسان إلى تاريخه وذكرياته وحقوله وبيوته التي بقيت شاهدة على حكايات الأجداد. لقد سار أهالي عفرين سنوات طويلة في دروب النزوح والمعاناة، لكنهم لم يتخلّوا يوماً عن حلم العودة، ولم يسمحوا لسنوات التهجير أن تكسر علاقتهم بأرضهم.
الدفعة الأولى… بداية الانتصار
وصول الدفعة الأولى من الأهالي إلى عفرين لم يكن حدثاً عادياً، بل شكّل لحظة انتصار حقيقية لإرادة المجتمع التي بقيت أقوى من كل محاولات التهجير والاقتلاع. فهذه الخطوة الأولى تحمل في طياتها رسالة واضحة مفادها أن الأرض تعرف أبناءها، وأن الذاكرة لا يمكن محوها مهما طال الزمن. كانت تلك اللحظة مفعمة بالمشاعر؛ أمهات يلامسن تراب القرى بدموع الفرح، وآباء يتطلعون إلى البيوت التي غادروها قسراً قبل سنوات، وأطفال يسمعون للمرة الأولى حكايات المكان الذي عاش طويلاً في ذاكرة أمهاتهم وآبائهم. إنها لحظة تختصر سنوات من الصبر والصمود.
استقبال يليق بالعودة
ولم يكن استقبال الأهالي عادياً أيضاً؛ فقد علت أصوات الطبل والزمر في مشهد احتفالي مؤثر، حيث استُقبل العائدون بواحدٍ وعشرين طبلاً وزمراً. ولم يكن هذا الرقم مجرد صدفة، بل رمزاً واضحاً ليوم الحادي والعشرين من آذار، يوم عيد نوروز الذي يحمل في ثقافة شعوب المنطقة معنى الحرية والانبعاث وبداية الحياة الجديدة. وكأن الأهالي، وهم يدخلون عفرين على إيقاع الطبول، كانوا يعلنون أن نوروز قد بدأ مبكراً هذا العام، وأن عودتهم إلى أرضهم هي الاحتفال الحقيقي بالحرية.
يوم النصر قبل نوروز
تأتي هذه العودة في توقيت يحمل رمزية عميقة، إذ تسبق قدوم عيد نوروز، العيد الذي يمثل في وجدان الشعوب معنى التحرر والانبعاث. وكأن عودة أهالي عفرين اليوم هي نوروز حقيقي يسبق نوروز؛ فبدلاً من أن تشتعل النيران فوق الجبال فقط، اشتعلت شعلة الأمل في قلوب الناس. فنوروز لم يكن يوماً مجرد احتفال موسمي، بل رمزاً لانتصار الإرادة الحرة على الظلم، وهو المعنى ذاته الذي تجسده عودة أبناء عفرين اليوم إلى أرضهم بعد سنوات من المعاناة.
عفرين… ذاكرة لا تموت
لقد أثبت أهالي عفرين أن الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي ذاكرة وهوية وكرامة. ورغم ما تعرضوا له من تهجير وتشتت، حافظوا على ثقافتهم وروابطهم الاجتماعية وروح التضامن بينهم، فبقيت عفرين حاضرة في قلوبهم أينما كانوا.
ومع وصول الدفعة الأولى من العائدين، تبدأ صفحة جديدة من تاريخ عفرين؛ صفحة تُكتب بالإصرار والصمود والإيمان بأن الشعوب التي تتمسك بأرضها لا يمكن اقتلاعها من جذورها. إن عودة أهالي عفرين ليست مجرد بداية لعودة الناس إلى بيوتهم، بل بداية لعودة الحياة إلى مدينة قاومت النسيان. إنها رسالة أمل لكل من عانى من التهجير بأن الفجر يأتي دائماً بعد أطول الليالي.
وقبل أن تشتعل شعلة نوروز فوق الجبال، اشتعلت في عفرين شعلة أخرى… شعلة العودة، وكرامة الأرض، وانتصار الإرادة الحرة.
No Result
View All Result