No Result
View All Result
قامشلو/ سلافا عثمان – أُسِّست سوق الأدوات المستعملة المعروفة باسم “سوق الحرامية” في السنوات الأولى من الأزمة السورية، وتحول مع مرور الوقت من بسطات بسيطة إلى محلات صغيرة، وبين الماضي والحاضر يروي السوق قصة عمل عشرات الباعة وتغير الظروف المعيشة.
في أحد جوانب نهر جقجق في قامشلو؛ اليوم يقف سوق الأدوات المستعملة الذي يعرف بين الناس باسم “سوق الحرامية”، حيث يجتمع الباعة يومياً لعرض بضائعهم المتنوعة، هذا السوق الذي بدأ ببسطات قليلة قبل سنوات، أصبح اليوم مساحة رزق لعشرات العاملين فيه، رغم التحديات الاقتصادية التي يواجهها.
بدايات السوق
ومع بدايات الأزمة في سوريا عام 2011 ظهرت في مدينة قامشلو أسواق صغيرة وغير منظمة لبيع الأدوات المستعملة، وكان أبرزها السوق الذي عُرفت لاحقاً باسم “سوق الحرامية”، لم يكن هذا الاسم غريباً على سكان المنطقة، إذ إن تسمية مشابهة كانت موجودة في دمشق منذ سنوات طويلة، حيث كانت تحمل الاسم ذاته ويُقصد به مكان بيع الأدوات المستعملة والرخيصة، وليس بالضرورة الأشياء المسروقة كما قد يوحي الاسم.
وفي البداية، لم يكن السوق في موقعها الحالي قرب نهر جقجق، بل كانت في شارع الحمام، هناك بدأ عدد محدود من الشباب بتنظيم بسطات بسيطة لبيع ما يجمعونه من أدوات مستعملة، كان عدد العاملين في السوق حينها لا يتجاوز عشرة أشخاص، معظمهم من مدن سورية مختلفة مثل حمص ودير الزور ودمشق، إضافة إلى البعض من أبناء مدينة قامشلو.
واعتمد هؤلاء الشباب على أسلوب بسيط في العمل، إذ كانوا يتجولون ضمن الأحياء والحارات لشراء الأغراض التي لم يعد أصحابها بحاجة إليها، كانت هذه الأغراض تشمل أدوات منزلية، قطعاً كهربائية، أثاثاً صغيرة، وأحياناً أدوات معدنية أو أجهزة قديمة أو ألبسة مستعملة، وبعد جمع هذه البضائع كانوا يعرضونها للبيع على بسطات مؤقتة في السوق.
وكانت تلك المرحلة بداية تشكل سوق شعبية صغيرة تلبي حاجات شريحة من السكان الذين يبحثون عن سلع بأسعار منخفضة مقارنة بالأسواق التقليدية، ومع مرور الوقت بدأ اسم السوق ينتشر بين الأهالي، وأصبحت مقصداً لمن يريد شراء أدوات مستعملة بأسعار معقولة.
توسع البسطات
ومع تزايد الإقبال على السوق وتوسع نشاط البيع والشراء، بدأ عدد العاملين فيها يزداد تدريجياً، فخلال عام 2014 وصل عدد الأشخاص الذين يعملون في السوق إلى نحو تسعين شخصاً، ولم يقتصر هذا التوسع على زيادة عدد الباعة فقط، بل شمل أيضاً تنوع البضائع المعروضة.
وأصبحت السوق مكاناً يمكن أن يجد فيه الزائر كل ما يتعلق بالأدوات المستعملة تقريباً، من أجهزة كهربائية بسيطة إلى أدوات منزلية مختلفة، مروراً بقطع الأثاث الصغيرة والأدوات المعدنية، وكان بعض الباعة يتخصصون في أنواع معينة من السلع، بينما يفضل آخرون بيع كل ما يمكن الحصول عليه من بضائع مستعملة.
ومع مرور الوقت لم تعد السوق مجرد بسطات مؤقتة على الأرصفة، فقد بدأ بعض الباعة الذين استقر عملهم نسبياً ببناء محلات صغيرة في المنطقة نفسها، ما أعطى السوق شكلاً أكثر تنظيماً وثباتاً، وبذلك انتقل جزء من النشاط التجاري من الأرصفة إلى داخل الدكاكين، بينما استمر آخرون في العمل من خلال البسطات المفتوحة. وساعد هذا التحول على استقرار عدد من الباعة الذين وجدوا في السوق مصدر رزق دائم، كما ساهم في جعل السوق أكثر وضوحاً وتنظيماً للزوار والمتسوقين.
الواقع الحالي للسوق
واليوم تقع سوق الأدوات المستعملة المعروفة باسم “سوق الحرامية” بالقرب من نهر جقجق، وتضم نحو سبعين شخصاً يعملون فيه بشكل يومي تقريباً، بعضهم يمتلك محلات صغيرة يعرض فيها بضائعه، بينما يواصل آخرون البيع على الأرصفة عبر بسطات تقليدية كما كان الحال في البدايات.
وتفتح السوق أبوابها الساعة التاسعة صباحاً وحتى الرابعة عصراً، وهي الساعات التي تشهد حركة البيع والشراء، خلال هذه الفترة يتجول الزبائن بين البسطات والدكاكين بحثاً عن الأدوات التي قد يحتاجونها بأسعار أقل من الأسواق الأخرى.
وتتنوع البضائع المعروضة في السوق بشكل كبير، إذ يمكن العثور على أدوات منزلية مختلفة، وأجهزة كهربائية قديمة، وقطع معدنية، وملابس مستعملة وأغراض أخرى يستخدمها الناس في حياتهم اليومية، هذا التنوع جعل السوق مقصداً لعدد من العائلات التي تبحث عن بدائل أقل كلفة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
ولكن رغم استمرار السوق حتى اليوم، فإن العمل فيها لم يعد كما كان في سنواتها الأولى، فالتغيرات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة أثرت على حركة البيع والشراء، ما جعل الكثير من الباعة يواجهون صعوبات في تحقيق دخل ثابت، حيث قال بعض أشخاص الذين يعملون في سوق الأدوات المستعملة: “بعض الأيام والأسابيع والأيام تمر من غير ما نطالع ولا ليرة، السوق تعبان جداً”.
وهذه العبارة تختصر إلى حد كبير واقع السوق الحالي، حيث يواجه الباعة تراجعاً في القدرة الشرائية لدى الناس، إضافة إلى المنافسة من الأسواق الأخرى، ومع ذلك ما تزال السوق قائمة بفضل تمسك العاملين فيه بمصدر رزقهم، واعتماد بعض السكان عليه للحصول على الأدوات بأسعار مناسبة.
ورغم التحديات، تبقى “سوق الحرامية” جزءاً من المشهد الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة، وشاهداً على تحولات مرت بها المدينة خلال السنوات الماضية، فمن بسطات صغيرة في شارع الحمام إلى سوق تضم عشرات الباعة قرب نهر جقجق، يستمر هذا المكان في سرد قصة عمل وكفاح يومي لعشرات الأشخاص الذين وجدوا فيه وسيلة للعيش.
No Result
View All Result