No Result
View All Result
أيمن روج
ليس من السهل على شعبٍ أن يودّع واحداً من أبنائه الذين أمضوا عمرهم في حمل قضيته فوق أكتافهم، وليس من السهل على الذاكرة الكردية أن تستوعب خسارة اسم ارتبط بالنضال والصبر والعمل الطويل مثل الشهيد صالح مسلم.
ذلك الرجل الذي أمضى أكثر من خمسة وأربعين عاماً في دروب الحركة الكردية، حاملاً همّ شعبه أينما كان، مؤمناً بأن القضية التي تعيش في ضمير الإنسان لا يمكن أن تموت مهما اشتدت العواصف وتغيّرت الأزمنة.
لقد كان الشهيد صالح مسلم واحداً من أولئك الذين لم يروا في النضال مجرد شعار يُرفع أو خطابٍ يُقال، بل طريقاً طويلاً من التضحية والعمل الصامت والتمسك بالأمل، طريقاً يسير فيه الإنسان وهو يعلم أن نهايته قد تكون التعب أو الغياب أو حتى الشهادة، لكنه يمضي فيه لأن حب الوطن يسكن أعماقه ولا يترك له خياراً آخر سوى الاستمرار.
منذ بداياته الأولى في صفوف الحركة الكردية كان يؤمن بأن الكرامة والحرية لا تُمنحان بل تُنتزعان بالصبر والإرادة والعمل الجماعي، ولذلك ظل طوال عقودٍ من الزمن جزءاً من المسيرة التي حاولت أن تمنح الشعب الكردي صوتاً ومكاناً في التاريخ.
لم يكن يبحث عن المجد الشخصي ولا عن المناصب، بل كان يرى نفسه جندياً في مسيرة شعبٍ طويل النضال، شعبٍ عرف عبر تاريخه معنى الظلم والتهميش لكنه لم يتخلَّ يوماً عن حلمه في أن يعيش بحرية وكرامة على أرضه وبين لغته وثقافته.
وفي صفوف حزب الاتحاد الديمقراطي كان حضوره أكثر من مجرد موقعٍ تنظيمي، فقد كان واحداً من الوجوه التي ربطت بين أجيالٍ متعددة من المناضلين، بين أولئك الذين بدأوا الطريق في سنواتٍ كانت فيها الكلمة الكردية نفسها تُعتبر تهمة، وبين جيلٍ جديدٍ بدأ يرفع صوته مطالباً بحقوقه في وضح النهار.
لقد عرف الشهيد صالح مسلم، مثل كثيرين من أبناء الحركة الكردية، معنى التضييق والملاحقة والمنفى والخيبات، لكنه ظل يؤمن بأن الشعوب التي لا تتخلى عن حلمها لا يمكن أن تُهزم، وأن القضية العادلة قد تمر بسنواتٍ من الصمت والتعب لكنها تعود دائماً لتنهض من جديد لأن جذورها تكون عميقة في وجدان الناس.
لم يكن ينظر إلى النضال كحدثٍ عابر في حياة الإنسان، بل كرسالةٍ يعيش من أجلها، ولذلك بقي صوته حاضراً في النقاشات السياسية وفي الدفاع عن حقوق الكرد، وفي التأكيد على أن المستقبل لا يُبنى بالانقسام بل بالحوار والعمل المشترك، وأن وحدة الصف الكردي هي القوة الحقيقية لأي مشروع يسعى إلى حماية وجود هذا الشعب وحقوقه.
لكن الوطنية عند الشهيد صالح مسلم لم تكن مجرد كلمات تُقال في الاجتماعات أو المواقف السياسية، بل كانت تضحية حقيقية دفع ثمنها من قلبه وبيته وعائلته، فقد قدّم ابناً شهيداً في سبيل حرية الشعب الكردي، وكأن القدر أراد أن يختبر صدق إيمانه بالقضية إلى أقصى حد.
حين يرتقي الابن شهيداً لا يبقى الألم حدثاً سياسياً أو خبراً في نشرات الأخبار، بل يتحول إلى جرحٍ يسكن القلب إلى الأبد. ومع ذلك فإن الآباء الذين ينتمون إلى القضايا الكبيرة يعرفون أن أبناءهم لم يذهبوا سدىً، بل أصبحوا جزءاً من ذاكرة شعبٍ كامل ومن مسيرةٍ طويلة نحو الحرية.
وهكذا كان الشهيد صالح مسلم يحمل في قلبه ألم الأب وفخر المناضل في الوقت نفسه، لأن ابنه لم يستشهد دفاعاً عن نفسه بل عن قضية شعبٍ كامل، عن حلمٍ طالما آمن به الآلاف من أبناء الكرد الذين اختاروا أن تكون حياتهم جسراً نحو مستقبلٍ أكثر عدلاً وكرامة.
لقد كان يؤمن أن النضال لا يكون بالسلاح وحده ولا بالسياسة وحدها، بل ببناء الوعي أيضاً، وبالحفاظ على اللغة والثقافة والذاكرة الجماعية للشعب الكردي، لأن الشعوب التي تفقد ذاكرتها تفقد قدرتها على الدفاع عن مستقبلها.
ولذلك ظل طوال مسيرته يتحدث عن أهمية التنظيم والعمل الجماعي، وعن ضرورة أن تبقى القضية الكردية قضية شعبٍ كامل لا قضية أفراد أو تيارات متنافسة. كان يردد دائماً أن الحرية ليست شعاراً عاطفياً بل مسؤولية تاريخية، وأن الطريق إليها يحتاج إلى صبرٍ طويل وإيمانٍ عميق وإرادةٍ لا تنكسر مهما كانت التحديات كبيرة.
ومع مرور السنين تحوّل اسمه بالنسبة لكثيرين إلى رمزٍ لمرحلةٍ كاملة من تاريخ النضال الكردي، مرحلةٍ امتلأت بالتحديات والتحولات الكبرى التي عاشتها المنطقة، حيث بقيَ صوته حاضراً في الدفاع عن حقوق الكرد وفي التذكير بأن الشعوب التي لا تحمي كرامتها تفقد مستقبلها.
كان يرى أن الوطنية الحقيقية ليست في رفع الشعارات، بل في حماية الإنسان وكرامته وهويته، وفي الدفاع عن حق الشعوب في أن تعيش بلغتها وثقافتها دون خوف أو إنكار.
واليوم، حين يُذكر اسمه في مجالس الناس وذاكرة المناضلين، فإن كثيرين يستعيدون صورة رجلٍ قضى عمره وهو يراهن على الأمل رغم قسوة الواقع، رجلٍ آمن بأن الكلمة يمكن أن تكون سلاحاً مثلها مثل أي وسيلة أخرى في الدفاع عن الحقوق، وأن الحوار يمكن أن يفتح أبواباً جديدة حين تبدو كل الطرق مغلقة.
إن خسارة شخصيةٍ مثل الشهيد صالح مسلم لا تعني فقط فقدان قائدٍ سياسي، بل تعني أيضاً فقدان صفحةٍ من صفحات التاريخ التي كُتبت بتعب السنين وبإصرار أولئك الذين رفضوا أن يعيش شعبهم على هامش التاريخ.
ومع ذلك فإن المناضلين الحقيقيين لا يرحلون تماماً، لأن أفكارهم تبقى في الذاكرة، وتجاربهم تتحول إلى دروسٍ للأجيال القادمة، والطريق الذي بدأوه يظل مفتوحاً أمام من يواصل السير فيه.
وهكذا يبقى اسم الشهيد صالح مسلم جزءاً من ذاكرة النضال الكردي، حكاية رجلٍ اختار أن يمضي عمره في الدفاع عن قضيةٍ آمن بها حتى النهاية، ورمزاً لمرحلةٍ طويلة من تاريخ شعبٍ لم يتوقف يوماً عن البحث عن الحرية والكرامة والاعتراف بوجوده وهويته.
لقد رحل الجسد، لكن المسيرة التي حملها طوال خمسةٍ وأربعين عاماً لا تزال مستمرة في قلوب الذين آمنوا بما آمن به، وفي ذاكرة شعبٍ يعرف أن الطريق إلى الحرية قد يكون طويلاً ومؤلماً، لكنه الطريق الوحيد الذي يستحق أن يُسلك.
الطريق الذي سار فيه الشهداء قبل الأحياء، الطريق الذي كُتب بدم الأبناء وصبر الآباء، الطريق الذي لا ينتهي برحيل رجلٍ مهما كان عظيماً، بل يبدأ من ذكراه فصلٌ جديد من إصرار على أن الحرية التي ضحّى من أجلها الشهداء ستبقى وعداً حيّاً في ضمير الشعب حتى تتحقق كاملة غير منقوصة.
No Result
View All Result