الحسكة/ رغد محمد ـ أكدت نساء سوريات من مختلف الشعوب والطوائف، أن المرأة حملت على عاتقها العبء الأكبر من ويلات ما سمي بالثورة السورية، التي تحولت إلى أزمة، وأوضحن أن معاناة المرأة استمرت بعد سقوط نظام البعث بسبب محاولات كثيرة لإقصاء دور المرأة في بناء سوريا المستقبل.
بعد مرور خمسة عشر عاماً على انطلاق ما سمي بالثورة السورية، والتي تحولت بعد التدخلات الخارجية إلى أزمة تتجدد التساؤلات حول التحولات، التي شهدها المجتمع السوري، ولا سيما واقع المرأة التي كانت حاضرة بقوة في مختلف مراحل هذه الثورة، فقد لعبت النساء أدواراً محورية في العمل السياسي والمدني والإنساني، وشاركن في الدفاع عن مجتمعاتهن رغم ما واجهن من تحديات قاسية وانتهاكات مستمرة.
وفي ظل المتغيرات الراهنة التي تعيشها البلاد، وخاصة بعد سقوط نظام البعث، يبرز النقاش مجدداً حول مدى تحقيق المرأة السورية لأهدافها في نيل حقوقها وضمان مشاركتها الفعلية في بناء مستقبل سوريا، إضافة إلى التباين في أوضاع النساء بين منطقة وأخرى، ولا سيما التجارب التي أفرزت نماذج مختلفة لمشاركة المرأة في الحياة العامة.
سنوات بين الأزمة والتحديات
وفي هذا السياق، استذكرت مسؤولة الإتحاد النسائي السرياني في سوريا “جورجيت برصوم” خلال لقاء خاص لصحيفتنا “روناهي” انطلاق الثورة السورية: “في ذكرى انطلاق الثورة السورية التي مر عليها خمسة عشر عاماً، لا بد من التأكيد أنّ المرأة السورية كانت حاضرة منذ اللحظات الأولى لانطلاق الثورة حيث شاركت في المظاهرات والاحتجاجات السلمية مطالبة بالحرية والكرامة والعدالة”.
وأضافت: “دور المرأة لم يقتصر على المشاركة في الشارع فقط، بل لعبت دوراً مهماً في العمل الإغاثي والتنظيمي والإعلامي وفي دعم الحراك المجتمعي، لكن مع تطور الصراع وتحول البلاد إلى ساحة حرب كانت المرأة من أكثر الفئات التي دفعت ثمن هذه السنوات القاسية، فقد عانت من النزوح والتهجير وفقدان الأمن والاستقرار وتعرضت الكثير من النساء للاعتقال والانتهاكات كما تحملت المرأة أعباء كبيرة في إعالة الأسرة والحفاظ على تماسك المجتمع بعد فقدان الكثير من المعيلين”.
وإنه على الرغم من أن المرأة تحملت الوزر الأكبر من تبعات الحرب، إلا إنها ما زالت حتى اليوم تواجه تحديات كبيرة، أبرزها الإقصاء والتهميش من مواقع القرار السياسي ومن المسارات التي تناقش مستقبل سوريا، وهذه مفارقة واضحة فالقوى التي قدمت التضحيات الأكبر ما زالت غير ممثلة بالشكل الذي يليق بدورها، ومع ذلك أثبتت المرأة السورية قدرتها على الصمود والتنظيم والاستمرار في النضال من أجل حقوقها ومكانتها في بناء مستقبل البلاد”.
كما أشادت بالتجربة التي قدمتها النساء في شمال وشرق سوريا: “تعد من التجارب المهمة على مستوى سوريا، لأنها أظهرت أن تمكين المرأة يمكن أن يتحول إلى واقع ملموس عندما تتوفر الإرادة والتنظيم، فقد لعبت المرأة دوراً أساسياً في بناء المؤسسات المدنية والاجتماعية والسياسية والأمنية والعسكرية وأسهمت بشكل فعّال في إيصال صوت النساء والدفاع عن حقوقهن”.
وأوضحت: “هذه التجربة ساهمت في ترسيخ مبدأ مشاركة المرأة في الحياة العامة وصنع القرار، الأمر الذي شكل خطوة مهمة في تعزيز قيم المساواة والعدالة داخل المجتمع وهي تجربة تؤكد أن مشاركة المرأة ليست مسألة ثانوية، بل هي ركيزة أساسية لبناء مجتمع ديمقراطي متوازن”.
وفي ختام حديثها، أكدت مسؤولة الاتحاد النسائي السرياني جورجيت برصوم “المرأة السورية تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية في تاريخ البلاد، وهي مطالبة بأن تكون شريكاً أساسياً في صياغة مستقبل سوريا، ومن أبرز مطالب المرأة السورية، تثبيت المساواة الكاملة بين المرأة والرجل في الدستور السوري وضمان مشاركتها الفعلية في مؤسسات الدولة ومراكز صنع القرار، إضافة إلى سن قوانين تحمي المرأة من أشكال العنف والتمييز والإقصاء والتهميش، من خلال فتح مساحات آمنة لها لتأخذ دورها الحقيقي في الحياة والمجتمع والعمل العام”.
آمال السوريين في قطف ثمار نضالهم
ومن جانب آخر، بينت الناشطة “راما حسين” من الطائفة العلوية: “مع اقتراب الذكرى السنوية للثورة السورية، لا بد من التوقف عند آمال السوريين، التي انطلقت مع بداياتها في بناء دولة مدنية ديمقراطية، تقوم على تداول السلطة ومشاركة الشعوب في صنع القرار، فالثورة كانت تعني الانتقال نحو واقع أفضل، بعدما كانت البلاد بحاجة إلى تغيير ينهي حكم الحزب الواحد ويؤسس لدولة المؤسسات والقانون”.
ونوهت إلى: “خمسة عشر عاماً من الصراع المسلح أدت إلى تدمير البنية التحتية وتعميق الانقسام المجتمعي، فيما بقي الخلط قائماً بين الدولة والنظام، سواء في السابق أو في المرحلة الحالية”، مشيرة إلى تراجع دور النقابات وضعف تمثيل النساء في الحياة السياسية، وتراجع الخدمات العامة والأمان، كلها تحديات تفرض اليوم مراجعة صادقة لمسار الثورة.
وبختام حديثها، أكدت الناشطة راما حسين: “سوريا بحاجة إلى نقد ذاتي وتصحيح المسار، عبر إعادة بناء الثقة بالمؤسسات وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد والعدالة الاجتماعية”، معتبرة أن “الثورة الحقيقية ليست ذكرى تُستحضر، بل عملية مستمرة لإصلاح الأخطاء وضمان مشاركة حقيقية للسوريين في إدارة وطنهم”.
من جهة أخرى، أوضحت الناشطة “راقية الشاعر” من الطائفة الدرزية: “فيما يتعلق بما يُعرف بـالثورة السورية تبين من الأحداث التي وقعت في منتصف تموز2025 بمدينة السويداء، أن ما جرى في سوريا لم يكن ثورة لتحقيق مطالب حقيقية أو حرية، بل كان صراعاً قائماً على أسس دينية وطائفية ومذهبية، وقد تجلى هذا التوجه بشكل واضح بعد ستة أشهر من انطلاق الثورة، عندما سيطرت المجموعات المتطرفة مثل داعش، والنصرة، وهيئة تحرير الشام، وجيش الإسلام على مسار الأحداث، وقامت بتحويل الثورة إلى أداة لتحقيق مصالح دينية وطائفية”.
كما ونوهت إلى أن: “تعمق هذا الاتجاه بعد وصول الجولاني إلى السلطة، حيث تم تثبيت فكرته بالسيطرة الكاملة على المؤسسات، مدعوماً بتواطؤ بعض القوى الدولية التي راهنت على مصالحها في المنطقة، وقد أفرزت هذه المرحلة سلسلة من المجازر بدءاً من أحداث الساحل في السابع من آذار2025، ثم أحداث جرمانا وصحنايا، وصولاً إلى مجازر منتصف تموز 2025 بحق أبناء الطائفة الدرزية في السويداء ما يعكس الطابع الانتقائي للعنف الممارس تحت ذريعة السلطة السياسية”.
كما تشير على أنه فيما يخص وضع المرأة: “لاحظنا منذ بداية هذه الفترة تراجعاً كبيراً لدورها في مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخدمية، فقد شهدت المرأة إقصاءً متعمداً من المشاركة في صنع القرار والمؤسسات الرسمية، بما في ذلك الحكومة والمؤسسة القضائية، بينما اقتصر تمثيلها على مواقع محدودة جداً، وغابت تقريباً عن الميادين العامة”.
وفي ختام حديثها شددت الناشطة “راقية الشاعر” على: “الأحداث التي وقعت منذ ما يسمى بـ “الثورة السورية” وحتى الوقت الراهن، تؤكد أن الوضع في سوريا لم يكن ثورة بالمعنى الحقيقي، وأن السلطة الحالية أسست لنظام يستند إلى الطائفية والتهميش الاجتماعي، مع تأثير مباشر على مشاركة المرأة في الحياة العامة”.
المرأة الركيزة الأساسية في التغيير
ومن جانب آخر، قالت عضوة قيادة مكتب الشباب في حزب الوطن السوري ومن الشعب الكردي “عبير حسين”: “بالنسبة إلى المرأة في المجتمع الركيزة الأساسية وتلعب أدوار حيوية هي أم ومربية الأطفال وتدير الأسرة، كما تعمل لبناء المجتمع، وأن المرأة أثبتت وجودها في كافة الميادين وعززت القيم الاجتماعية والهوية الوطنية”.
وأضافت أنه على الرغم من التحديات التي تواجه المرأة فهي تقدم جهوداً كبيرة في التقديم والتطوير على الحقوق، بناء الأسرة والمجتمع، فالمرأة التي تحمل وعي وتعليم وثقافة تشكل لبنة أساسية وتلعب دور محوري في بياء أجيال قادرة على المساهمة في تطوير المجتمع.
وفي ختام حديثها، شددت “عبير حسين“: “المرأة على مدار ما يقارب 14 عاماً من ثورة روج آفا “ثورة المرأة” حققت إنجازات عظيمة، هذه الثورة التي كانت امتداداً لتاريخ المرأة المليء بالإنجازات والنضال المستمر، ونؤكد أن المرأة تلعب دوراً مهماً وكبيراً في تطوير المجتمع”.
دور نساء روج آفا القيم
ومن جانبها، أكدت منسقية المرأة الأرمنية العامة “سيفان إيبو“: “المرأة السورية لعبت دوراً بارزاً منذ انطلاق الثورة، التي جاءت بهدف استرداد الحقوق وبناء واقع أكثر عدالة للسوريين”، مشيرة إلى أن “حضور المرأة لم يقتصر على المشاركة في ساحات التظاهر، بل امتد ليصل إلى مواقع صنع القرار والعمل السياسي والمجتمعي”.
ولفتت إلى أن: “السنوات الخمسة عشرة الماضية حملت الكثير من الويلات للمرأة السورية، من انتهاكات وعمليات تهجير قسري واعتقالات تعسفية، إضافة إلى انتشار الفكر المتطرف الذي ضاعف من حجم المعاناة”.
وفي المقابل، أشادت بالدور الذي لعبته النساء في مناطق الإدارة الذاتية، وبمشاركة المرأة في المؤسسات المدنية والعسكرية، ولا سيما دور وحدات حماية المرأة في الدفاع عن المجتمع وتعزيز حضور النساء في الحياة العامة، مؤكدة في ختام حديثها: “ضرورة عدم تجاهل دور المرأة في المرحلة المقبلة، وضمان تمثيل حقيقي وفاعل لها في صياغة الدستور السوري ومستقبل البلاد”.