No Result
View All Result
عمران علي (دوست)
لم تكن العَجوزُ “بَهُوكَا قَلو” جالِسَةً على حافَّةِ الدُّكَّةِ فَقَط؛ بَل كانت تَتَّخِذُ مَقاماً بَينَ السَّماءِ والجَبَل، كأنَّ الجَبلَ نَفْسَه يَتَنَفَّسُ مِن هُناكَ، مِن تَجاعيدِها، ويُرسِلُ صَدى أَصواتٍ قَديمةٍ تَعلَّقَتْ في قَصَبِ رِئتِه. كانت تَضَعُ كَفَّها على المسنَدِ الخَشَبيِّ المُتهالكِ، وتَميلُ قليلاً، كأنَّ رُوحَها تُعيدُ التوازن للأرضِ بِعَدالةِ الأمهاتِ اللواتي لم يَملَلنَ الانتظارَ قَطّ.
عيناها، تِلكَ العَيناَن الضيِّقتانِ كفُتْحَتَيْ نَهرٍ يَنبعُ من صَخرٍ مُتعَب، كانتا تُحَدِّقانِ في المَمَرِّ التُّرابيِّ المُفضي إلى بَطنِ الوادي؛ تُقلِّبانِ الغُبارَ كما يُقلِّبُ رَاعٍ جَمرَ النَّدامةِ في صَدْرِه، كأنَّهما تَفهَمانِ الخطواتِ الغائبةَ قَبلَ أن تَطَأَ الحصى، وكأنَّ آرِين يَمُرُّ في الهواءِ قَبل أن يَمُرَّ على الأرض.
كانت تَهمِسُ أحياناً:
ـ يا رُوحِي… أَحْيا ما دامَ تخُطاكَ تَتَذَكَّر الطريق…
لا تُقَولُ جُملتُها كَلِسانٍ يَتَذَمَّر، بَل كَحُنجُرةٍ تُداوي نَفسَها بالتَّنفُّس.
إلى جانِبِها، كانَ البَيتُ الطِّينيُّ يَتَقهقَرُ أمام مِطرٍ نَهمٍ، نَزَعَ قِشرَتَه الأولى، فَتكشَّفَ الطُّوبُ كعِظامٍ طينيّةٍ بَدَتْ لوهلةٍ كأنَّها تُريدُ الخُروجَ من صَمتِها. ألوانٌ بُنِّيّةٌ تَتَدَرَّجُ كَلوحاتِ الجفافِ حين يُغمى عليه، وخُطوطٌ نَاشِزةٌ تَنفُذُ إلى الجدارِ كأنَّ المَطَرَ لَم يَغسِلها بَل استَفَزَّها لِتَرْوِي ما جرى.
كان الحائطُ يَتهامَسُ مع العَجوزِ، أو لَعَلَّ العَجوزَ تَتَوهَّمُ ذٰلكَ، لكنَّ رُكُودَ “هاوارنێف” لا يَسمحُ بتمييزِ الحقيقةِ من الذِّكرى؛ كُلُّ شيءٍ يَبدو مُستَجاباً للخيالِ في قُرى الجبال.
وراء الدارِ امتدَّ الجَبَلُ، كَسِترٍ هائِلٍ يَلفُّ “هاوارنێف” ويُشرفُ على أنفاسِها. الجَبَلُ نَفْسُه يَبدو كَأبٍ آخرَ لـ آرِين، يَحفظُه كما تَحفَظُ الأمُّ مَلامِحَ غيابِه. رائحةُ الحَشائشِ البَرِّيَّةِ تَتصاعَدُ مِن جُيوبِ الصُّخورِ، تُمزِجُ الهَواءَ بمذاقٍ يَشبهُ الهُدْنةَ بَينَ الأنوثةِ والقَسوة.
أمامَها كان يَقفُ الحِمارُ “زَرزُو”، صديقُها الوحيدُ في هذا الدَّورانِ الرَّتيبِ من الانتظار. رأسُه مُنخَفِضٌ، أُذُناهُ تَرتعِدانِ بكسَل، وكأنَّه يَفهَمُ أنَّ ظِلَّ آرِين المفقودِ أهمُّ مِن العُشبِ اليابسِ عند حافَّةِ السِّياج. كانت تَمدُّ إليه أصابِعَها:
ـ يـا يا زَرزُو… قِفْ هُنا… إنَّه يَعودُ دوماً مِن هٰذا الطَّريق…
فيهزُّ ذيلَهُ كَمَن يُحاوِلُ أن يَشرحَ لها أنَّ الكونَ لا يُعادِلُ خُيبتَها، لكنَّه يَبقى، كأنَّه يَحرُسُ لَهَفتَها.
الرِّيحُ تَمُرُّ بين الجَدائِلِ البيضاءِ الشَّعثاءِ، فتَرفَعُ خُصلاتٍ فوقَ جبينِها كما تَرفَعُ رَيحٌ صفحةَ كتابٍ لم يُكتَبْ نِصفُه بعد. كانت تَغمِضُ عينيها أحياناً، لا تَعباً، بَل لتَسمَعَ الأصواتَ التي يَبتَلِعُها الجَبَلُ ويَرُدُّ صداها ببطءٍ كأنَّه يَعتذِر.
كان المكانُ بأكملهِ مُتعَباً: الدُّكَّةُ المَصنوعَةُ مِن خَشبٍ أُكلت الرُّطوبة أطرافُه، البَيتُ الطِّينيُّ الذي لم يَعُد يَتَخفَّى خلفَ قِشرتِه، الجَبَلُ الذي يَحْمِلُ ثِقلَ السُّنون، و”زَرزُو” الذي يَنتَظِرُ معها وكأنَّ الانتظارَ فَريضةٌ يوميَّة.
لكنَّ عَجوزاً كُرديّةً، يَبتسِمُ جلدُها مِن كَثرَةِ الحكاياتِ، تَعرفُ أنَّ الطُّرقَ لا تُخطِئُ أبناءَها. تَعرفُ أنَّ الأحجارَ تَحفَظُ وقعَ أقدامِهم، وأنَّ الجَبَلَ إذا أَخفى أحدهم فإنَّه يُعيدُه، ولو صارتِ الرِّيحُ رَسُولاً بَينَهما.
فجأةً تَفتَحُ عينيها… تُحَدِّقُ، كأنَّ نَفْساً بَعيدةً مَرَّتْ في الهَواء.
ـ آرِين؟ يـا وَلَدي… أَهُوَ نَبْضُكَ؟
صمتٌ.
ثُمَّ تَضحَكُ ضَحكَةً خَفيفةً لا يَسمعُها إلا “زَرزُو”، ضَحكَةٌ تُشبِهُ انكسارَ مِلحٍ على جَفنِ الماء.
وتُعيدُ جُلسَتَها على حافَّةِ الدُّكَّةِ، تُعيدُ الانتظارَ إلى شَكْلِه الأوَّل، كأنَّ الانتظارَ هو ما يُبقِي الحياةَ مُستحقَّةً للتنفُّس.
كان المساءُ يَنزِلُ مِن فوقِ الجَبَلِ، يَنسابُ على “هاوارنێڤ” كَعباءةٍ واسعةٍ من الظِّلال. والزَّمانُ يَدورُ دَورةً أُخرى، والعَجوزُ لا تَنتَقِلُ إلّا في نَفْسِها، تُصلِحُ وِشاحَها، وتَشدُّ حَوافَّهُ على كتفَيْها، كأنَّها تُدَثِّرُ قلبَها مِن بَردِ الغياب.
أحجارُ الدَّرْبِ تَصغى. الجَبَلُ يَصغى. زَرزُو يَصغى.
وأمٌّ كُرديّةٌ على حافَّةِ دُكَّةٍ مُشَقَّقَةٍ… تُصِرُّ أنَّ آرِين سيَعودُ، لأنَّ الأمهاتِ لا يُخطِئنَ طَريقَ أبنائِهنَّ… ولو أَخطَأ الأبناءُ الطريقَ مَرَّةً أَو عشراً.
No Result
View All Result