No Result
View All Result
ناصر ناصرو
في تاريخ الشعب الكردي، هناك شخصيات لم تكن مجرد أسماء على ورق أو وجوه في الإعلام، بل كانت تجسيدًا حيًا للنضال والمثابرة والفداء، ومن بين هذه الشخصيات، يبرز “صالح مسلم” واحداً من أبرز القادة الذين كرّسوا حياتهم منذ الشباب وحتى آخر لحظة لهم، لخدمة قضية الكرد في سوريا، دفاعًا عن حقوقهم، وعن كرامتهم، وعن حلمهم في الحرية والاستقلال، لم يعرف التراجع طريقًا إلى قلبه، ولم يكن مفهوم الكفاح عنده مجرّد شعار، بل كان أسلوب حياة، مبنيًا على مبدأ أن الحقوق لا تُنتزع إلا بالإصرار والمثابرة، وأن الحرية تتطلب التضحيات الكبرى، أحيانًا على حساب النفس، وأحيانًا على حساب أحبائهم.
الشهيد “صالح مسلم” لم يكن سياسيًا فحسب، بل كان نموذجًا حيًا للنضال الكردي، شخصية جسدت معنى الالتزام والمثابرة في أصعب الظروف السياسية والاجتماعية التي شهدتها سوريا في العقود الأخيرة، منذ بداياته، حمل على عاتقه مسؤولية حماية حقوق شعبه، وواجه بكل صلابة التحديات التي فرضتها الصراعات الإقليمية والدولية، والصراعات الداخلية بين مكونات المجتمع السوري، لقد فهم أن السياسة ليست مجرد مكتسبات آنية، بل صبر طويل، وتخطيط دقيق، واستراتيجية متكاملة تهدف إلى بناء إرث مستدام لشعب مستمر في النضال.
وفي ميدان العمل السياسي، لم يقتصر نشاطه على الاجتماعات والخطب، بل كان يسعى دائمًا لفهم عمق الأزمة، ولتقدير حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه. أسس حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) في عام 2003، ليضع حجر الأساس لحركة سياسية تمثل الكرد في سوريا بطريقة مؤسسية، وتعيد بناء الثقة بين الشعب وقياداته. لم تكن مهمة الحزب سهلة في تلك المرحلة، إذ كانت سوريا على أعتاب تحولات كبيرة، والسلطات المحلية والدولية تتغير مواقفها باستمرار، لكن صالح مسلم، بعزيمته وحنكته، نجح في أن يجعل الحزب مركزًا سياسيًا وممثلًا حقيقيًا للكرد، ليس فقط في الساحة المحلية، بل على المستوى الدولي أيضًا.
ومع بدء الأزمة السورية عام 2011، ارتفع صوت “صالح مسلم” ليس فقط كسياسي، بل كمرشد وكمثال حي على التمسك بالمبادئ، لم يكتفِ بالدفاع عن حقوق الكرد في شمال سوريا وشرقها، بل خاض حوارًا دبلوماسيًا مكثفًا مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، مؤكدًا على أن القضية الكردية ليست نزاعًا جانبيًا، بل حق تاريخي وقضية إنسانية تستحق الدعم والحماية، كان دائمًا يذكر أن الأمن والاستقرار للشعب الكردي مرتبطان بالقدرة على التعبير عن الذات والمشاركة الفعلية في إدارة الشؤون العامة، وهو ما حاول ترجمته عمليًا من خلال بناء مؤسسات سياسية ومدنية.
ولم يكن نشاطه السياسي منفصلًا عن حياته العائلية، فقد قدّم ابنه “شرفان” فداءً للقضية الكردية، واستشهد في سبيلها، ليصبح مثالًا حيًا للتضحية الكبرى، وللتوازن الدقيق بين الحياة السياسية ومسؤوليات العائلة، هذه التضحية لم تكن حدثًا شخصيًا فحسب، بل رسالة واضحة لكل الأجيال بأن النضال من أجل الحرية لا يكتمل إلا بالتضحية، وأن الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع بدماء الشهداء وعزيمة الأحياء.
فاستشهاد “صالح مسلم”، لم يكن مجرد نهاية لحياة قائد سياسي، بل إرثًا حيًا للنضال الكردي، شهادة على الالتزام المطلق بالمبادئ، وعلى القدرة على الجمع بين الحكمة السياسية والشجاعة الشخصية، لقد ترك خلفه حركة سياسية صلبة، وفكرًا استراتيجيًا رصينًا، وشعبًا تعلم من تجربته معنى الصمود أمام التحديات.
المجتمع الكردي والسياسيون في الداخل والخارج سجلوا استشهاده بتأثر كبير، مؤكدين أن دوره لم يكن محدودًا بالمرحلة التي عاشها، بل امتد تأثيره ليصبح مرشدًا للأجيال القادمة، ونموذجًا للتفاني في خدمة القضية.
لم يقتصر إرثه السياسي على المؤسسة التي أسسها، بل تجاوزها ليصبح مثالًا حيًا للتفاني والنضال، حيث جسّد من خلال حياته كيف يمكن للمبادئ، والالتزام، والكرامة أن تحوّل مسار نضال جماعي إلى تجربة مستدامة، تُلهم الأجيال وتضع معايير للقيادة السياسية الرصينة، لقد جمع بين الواقعية السياسية والرؤية الاستراتيجية، وكان دائمًا يؤكد أن الحرية والكرامة هما الهدف النهائي، وأن أي تنازل عن المبادئ لا يمكن قبوله.
اليوم، وبعد استشهاده، يبقى اسم الشهيد “صالح مسلم” حاضرًا في ذاكرة الشعب الكردي كرمز للنضال المستمر، ونموذجًا حيًا للإخلاص والتضحية، ومصدر إلهام لكل من يسعى لتحقيق الحرية والعدالة. فقد عاش حياته مكرّسًا كل جهده لإعلاء صوت شعبه، وترك خلفه إرثًا سياسيًا وإنسانيًا يثبت أن التزام الفرد بمبادئه يمكن أن يشكّل قوة تغيّر مجرى التاريخ، وأن التضحية والفداء هما الطريق الحقيقي لنيل الحرية.
No Result
View All Result