No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
صبيحة يوم الجمعة 12 آذار 2004، توافدت جماهير غفيرة من محبي ومتابعي وعشاق نادي الجهاد (بعبع الشمال)، لمشاهدة مباراته مع نادي الفتوة القادم من دير الزور ضمن مباريات الدوري السوري الممتاز على الملعب البلدي في قامشلو. قبل انطلاق المباراة، وصل مشجعو فريق الفتوة إلى المدينة وتجولوا في شوارعها الرئيسية وهم يهتفون بشعاراتٍ استفزازية ومسبات بحق القادة والزعماء السياسيين الكرد. بعد ذلك؛ دخلوا إلى الملعب وهم يحملون الحجارة ودون تفتيش من قوى الأمن التابعة للنظام الأمر الذي يؤكّد على وجود تخطيط مسبق من جانب أجهزة الأمن. 
التخطيط المسبق والاستفزازات
وجّهت قوى النظام جماهير الفتوة للجلوس في مدرجات جمهور نادي الجهاد، بدلاً من الفصل بينهم وتوجيههم إلى المدرجات المقابلة لها، هذا الأمر لم يكن بغريب على النظام البعثي الأسدي الذي تبنّى سياسات تمييزية ومركزية ضد الكرد لسنوات الأمر الذي خلق حالة من الاحتقان والتوتر بين الشعب الكردي والنظام الأسدي البعثي. قبل أن يتوجه جمهور الفتوة الى المدرجات، قام باستعراض ضمن الملعب مردداً هتافات مستفزة ضد جمهور الجهاد.
اندلاع الاشتباكات وتدخّل قوى الأمن
بمجرد أن تدخلت مجموعات الجماهير داخل المدرجات، بدأت جماهير نادي الفتوة برمي جماهير نادي الجهاد بالحجارة والتهجم عليهم بالعصي، ثم تحولت إلى اشتباكات بين الطرفين. تدخّل قوى الأمن السوري لم يكن من أجل تفريق الطرفين والاحتواء، بل عمد إلى إغلاق الممرات ومنع خروج جمهور الجهاد ومن ثم إطلاق الرصاص الحي عليهم. شهود عيان يذكرون أن الرصاص بدأ يتطاير، وإن العديد من الشباب قُتلوا أو جُرحوا أثناء محاولة الهروب. واحدة من القصص التي سُجّلت كانت عن رائد محمد، 19 عاماً، طالب رياضيات، الذي حاول حماية أطفال من إطلاق النار، لكنه أُصيب بطلقٍ ناري في صدره واستشهد أمام أعين أسرته. قصص مشابهة لعدد من الشباب كانت متكررة: طلاب، عمال، رياضيون، كلهم أصبحوا ضحايا لنيران الأمن.
إجراءات أمنية قاسية
لم تكتفِ السلطات الأمنية بما قامت به في الملعب، بل إنها استمرت في إطلاق النار على الجماهير خارج الملعب أيضاً ما أدى إلى زيادة أعداد الشهداء. كما إنها قامت بمنع سيارات الإسعاف من الوصول إلى الجرحى بالإضافة إلى منع المشافي الحكومية من استقبال الجرحى وتحذير المشافي الخاصة من ذلك أيضاً. حولت السلطات ليلتها والأيام التالية قامشلو إلى منطقة عسكرية، حيث استقدمت قوات الفرقة الرابعة، بالإضافة إلى إدخال الأسلحة الثقيلة من دبابات ومدافع إلى المدينة.
تصاعد الغضب وتشييع الشهداء
انتشر خبر الاشتباكات بسرعة البرق، خاصةً مع وجود شهداء وجرحى، حيث هرع الآلاف من الأهالي باتجاه الملعب البلدي لمعرفة ما جرى. كان هناك عدد من الشهداء والعشرات من الجرحى الذين تواروا عن أنظار الأمن السوري. صبيحة اليوم التالي 13 آذار خرجت قامشلو عن بكرة أبيها لتشييع الشهداء من أمام “جامع قاسمو”، وخلال مراسم التشييع، حدثت مواجهات بين قوى الأمن السوري التابعة للنظام الأسدي البعثي، وبين الأهالي والشبان الذين شاركوا في التشييع. استخدم جلاوزة النظام؛ الرصاص الحي في مواجهة الشعب الأعزل، الأمر الذي أدى إلى سقوط أعداد أخرى من الشهداء. “سارة علي” والدة أحد شهداء الانتفاضة تقول: “خرجنا لنشارك أولادنا فرحة المباراة، وعدنا نحملهم في توابيت.” جنازات الشهداء تحولت سريعاً إلى مظاهرات ضد السلطة السوريّة، حيث هتف المشاركون مطالبين بحقوقهم والعدالة لضحايا العنف الأمني، لكن بدلاً من التراجع، قررت أجهزة الأمن توسيع انتشارها وحشدت الجيش والدوريات المسلحة في الأحياء والطرق.
توسع الانتفاضة وانتشارها
لم تبقَ الأحداث مقتصرةً على قامشلو وحدها، بل انتشرت في عموم المناطق الكردية في روج آفا، وفي مدن مثل عامودا، ديرك، الحسكة وأحياء كردية في حلب ودمشق. خرج آلاف السكان في احتجاجات واسعة ضد السلطة المركزية، رافعين شعارات تطالب بحقوق المواطن الكردي، الاعتراف بالهوية، وإسقاط سياسات القمع، لكن رد فعل النظام القمعي كان عنيفاً جداً حيث سُجلت في هذه الاحتجاجات مواجهات مع قوات الأمن في عدة أماكن، واستخدمت الأخيرة طرق قمع كثيرة، من إطلاق الذخيرة الحيّة إلى الاعتقالات العشوائية لعشرات المقاتلين والمدنيين. وفق منظمات حقوقية ومدنية، تم احتجاز أكثر من 2000 كردي من مختلف الأعمار خلال الأيام والليالي التي تلت أحداث 12 آذار، وكان غالبيتهم تعرضوا للتهم السياسية.
ردود فعل النظام السوري
على المستوى الرسمي، حاول النظام في دمشق تخفيف وقع الأحداث عبر إصدار بيانات رسمية زعم فيها إن ما حدث كان “شغب جماهيري” وليس انتفاضة سياسية، وإن قوات الأمن اضطرت إلى استخدام القوة رداً على “عناصر شغب مسلحة”. لكن؛ هذه الرواية لم تُقنع المجتمع الكردي الذي رأى فيها محاولة للاستمرار في سياسات القمع والتمييز ضدهم. روايات النظام ركزت في الإعلام الرسمي على تحميل الجماهير مسؤولية ما حدث وهو ما زاد من الغضب الشعبي بدلًا من تهدئته.
الإرث خلق وعي سياسي جديد
رغم مرور أكثر من عقدين من الزمن على انتفاضة 12 آذار في قامشلو، لكنها بقيت علامة فاصلة في ذاكرة الكرد ليس فقط هنا، بل في سائر أجزاء كردستان وفي قلب وضمير كل كردي شريف أينما كان. أصبحت الانتفاضة نقطة انطلاق للتعبير الجماهيري ضد القمع والمطالبة بالحقوق المدنية والسياسية. كل عام يُقام في قلب قامشلو احتفال شعبي ورسمي يتم فيه تأبين شهداء الانتفاضة وإجراء فعاليات رياضية وثقافية وسياسية تؤكّد على أهمية عدم نسيان التضحيات التي قدمها الشعب الكردي في سبيل الحرية والعدالة. أصبحت الانتفاضة شرارة للوعي السياسي الكردي، حيث ظهرت حركات شبابية منظمة للدفاع عن حقوق الكرد، الى جانب توثيق إعلامي وتاريخي للأحداث لضمان عدم نسيان الشهداء.
ختاماً يمكننا القول
لولا انتفاضة الثاني عشر من آذار، لتأخرت ثورة التاسع عشر من تموز. انتفاضة قامشلو التي بدأت من خلال مباراة كرد القدم، أراد النظام لها أن تكون بداية فتنة بين الكرد والعرب وتحويلها إلى وسيلة للقضاء على الكرد، تحولت إلى انتفاضة شعبية عارمة سبقت القوى السياسية والحزبية الكردية بخطوات كبيرة الى الأمام، هذه الثورة الشعبية لم ترفع أية أعلام حزبية بل حملت على أكتافها جثامين الشهداء وأوجاع وطن. هذه الانتفاضة لم تكن مجرد أحداث عابرة؛ بل كانت نقطة تحول في التاريخ الكردي في روج آفا، شكلت وعياً جمعياً، وأرست قاعدة للمقاومة المدنية والسياسية التي استمرت في العقدين التاليين، وحافظت على ذاكرة الشهداء حيّة في قلوب الناس.
No Result
View All Result