No Result
View All Result
أحمد عبد الرؤوف
خلال السّنوات الأخيرة، ومع التّحوّلات العميقة التي شهدها المجتمع السّوري، برز صوت المرأة في الأدب والثقافة بشكل أكثر وضوحاً، هذا الحضور لم يكن وليد الصّدفة، بل جاء نتيجة تجارب قاسية عاشتها النساء في ظل الحرب والمتغيّرات الاجتماعية والسّياسيّة التي شهدتها سوريا.
ورغم الخطوات الجريئة والملفتة التي استطاعت أن تخطوها المرأة السّورية في مناطق روج آفا وشمال وشرق سوريا بمختلف المجالات، إلا إن ذلك ظل أسير مجتمع لا يستطيع أن يطوّر نفسه في خضم الأزمة الإنسانية والثقافية والحضارية والاقتصادية التي عاشتها البلاد خلال أربعة عشر عاماً من الحرب، فصار ذلك مسوّغاً جديداً لجماعات ترفض صوت المرأة النّابض بالحياة والعطاء شكلاً متجدّداً للمجتمع، ونمطاً جديداً للواقع الذي لم يكن يوماً إلى جانب المرأة
جوهر أدب المرأة
إلى ذلك أشارت الكاتبة الشابة “ألكساندرا محمد” في حديث خاص لصحيفتنا “روناهي” إلى أنها تنظر إلى أدب المرأة بوصفه أدباً إنسانياً واقعياً يحمل في طيّاته مشاعر النساء وآلامهن وحسراتهن، وتابعت أن أدب المرأة في المنطقة خلال السنوات العشر الأخيرة هو أدب جديد، وُلد من رحم الحرب والمعاناة، إنه أدب يعكس التجربة الحقيقية للنساء اللواتي عشن الخسارة والفقد والخوف، لكنّه في الوقت ذاته أدب عظيم لأنّه ينبع من الواقع الإنساني الصادق، ويمنح المرأة مساحة للتعبير عن ذاتها وعن قضايا مجتمعها.
القيود المفروضة على المرأة
وعن القيود التي مازالت تفرضها المجتمعات على النساء بيّنت ألكساندرا محمد أنه ورغم هذا الحضور المتزايد، ما تزال العادات والتقاليد تشكّل عائقاً كبيراً أمام تطوّر المرأة في المجال الثقافي والأدبي، فالكثير من النساء لا يحظين بالإيمان الحقيقي بقدراتهن، أو بالتشجيع الكافي للاستمرار في الكتابة والقراءة، وغالباً ما تتعرّض المرأة المثقّفة للتهميش أو التقليل من شأن قلمها، ممّا يضعها في مواجهة مستمرّة مع المجتمع من أجل إثبات حضورها الفكري.
نظرة المجتمع للمرأة المثقّفة
ألكساندرا أوضحت أن هناك العديد من الموضوعات التي ما تزال تُعدّ “حسّاسة” أو غير مقبولة اجتماعياً عندما تتناولها المرأة، فبرغم أن النساء أصبحن يعملن ويدرّسن ويشغلن مجالات متعدّدة سياسية وعسكريّة وثقافيّة، إلا إن النظرة المجتمعية مازالت في كثير من الأحيان تحصر المرأة في أدوار محدّدة وأفاق ضيقة.
طموح المرأة
وفي سياق الحلم الذي تسعى لبلوغه والطموح الذي تصبو لتحقيقه ترى ألكساندرا محمد أن المرأة لم تقطع سوى “ربع الطريق” أن جاز التعبير، نحو الحرّيّة الفكريّة التي ناضلت من أجلها، وأن الطريق مازال طويلاً، ويتطلّب من المرأة أولاً أن تؤمن بذاتها وأن تتحرّر من سلطة الذهنية الذكورية، معتمدة على قوّتها وإرادتها
لم يستطع مجتمع النفوذ والسلطة في سوريا على امتداد القرن الماضي وبداية القرن الحالي أن يمنح المرأة دورها وحضورها الثقافي البنّاء والقيادي في تصحيح مسارات أدّت في كثير من الأحيان إلى تفتيت المجتمع، وتهميش الأدوار الريادية لأبنائه، وفي هذا السّياق تابعت ألكسندرا محمد “إلى جانب التحدّيات الاجتماعية، تلعب الحسابات السياسية أيضاً دوراً في التأثير على حضور المرأة في المجتمع السّوري، فهناك إقصاء واضح للمرأة عن كثير من المناصب السياسية والعسكرية في بعض المناطق، بينما يقتصر وجودها أحياناً على دور رمزي داخل مؤسّسات المجتمع المدني، لكن الصورة تختلف نسبياً في روج آفا، حيث أن ما أفرزته ثورة المرأة في هذه المنطقة خلق واقعاً مختلفاً، فقد استطاعت النساء هنا إثبات حضورهن في مجالات متعدّدة، من السّياسة والعمل العسكري إلى الثقافة والعلوم، وباعتبار أن الثورة في هذه المنطقة حملت طابعاً نسوياً واضحاً، فقد أصبحت الكثير من النساء أكثر استقلالاً مادياً واجتماعياً، وتمكّنت العديد من الفتيات من متابعة تعليمهن والمشاركة في الحياة العامّة وصنع القرار، ما فتح المجال أمام جيل جديد من المثقّفات والكاتبات، اللّواتي يعبّرن عن قضايا مجتمعهن بجرأة ووعي”.
المرأة في روج آفا
أمّا عن التّحدّيات نوّهت إلى أنه مع ذلك لم يكن الطريق سهلاً، فالعادات والتقاليد الرجعية ظلّت من أبرز التّحدّيات، التي واجهت النساء في المنطقة، فالمنطقة ذات طبيعة عشائرية مختلطة تسودها تقاليد اجتماعية صارمة، وكانت هذه التقاليد في كثير من الأحيان العائق الأوّل أمام تطوّر المرأة وتحرّرها، وفي حديثها عن قوّة المرأة، تؤكّد ألكساندرا محمد أنه لا ينبغي الفصل بين القوّة والأنوثة، فاستقلال المرأة وقوّتها لا يعنيان التّخلّي عن أنوثتها أو تقليد الرجل، بل يكمن جوهر القوّة الحقيقية في قدرتها على إثبات أن الأنوثة والقوّة ليسا ضدّين، ويمكن أن يجتمعا معاً في شخصية واحدة، فالمرأة القوية هي التي تثبت حضورها بوعيها وثقافتها وشخصيتها، لا تلك التي تحاول التّشبّه بالآخرين.
رسالة كاتبة شابة
وفي الحديث عن طموح الكاتبة الشابة ألكساندرا محمد ورسالتها الأدبية: “حلمي أن يبقى أدب المرأة أدباً إنسانياً يعكس وجع النساء ووجع الفقد والحروب، وأن يظل أدباً سامياً يحمل البعد الوجداني العميق”، وتؤكّد أن طموحها الأكبر هو أن ترى مزيداً من النساء يكتبن ويقرأن ويتحرّرن من القيود الفكرية، التي فُرضت على عقولهن، وتختتم رسالتها بدعوة النساء إلى أن تصبح القراءة لديهن زينة لعقل كل فتاة وكل امرأة، وأن يكون في كل منزل مكتبة وامرأة تقرأ وتكتب، فالقلم كان أحد أسلحة الثورة، وهو سلاح ذو حدين يمكن أن يكتب الحقيقة، كما يمكن أن يزيّف الواقع، لذلك يجب التعامل معه بوعي ومسؤوليّة ليبني ويحمي.
No Result
View All Result