No Result
View All Result
سوزدار رزكار
حين يغادر الإنسان بيته لا يترك حجارة فحسب، بل يترك أرضه وذكرياته وحياة كاملة بنى عليها أحلاماً، كتبت كثيراً وعلى مدار سنوات عن ألم تهجير عفرينيين بقلمي كصحفية وإعلامية، لكني هذه المرة أكتبها كمهجرة من حيّها الشيخ مقصود في مقاومتها الأخيرة في العاشر من كانون الثاني أي قبل شهرين من الآن باعتبارها عفرين ثانية لكل عفريني.
جميعنا.. كُل عفريني وعفرينيةً حملوا على كتفهم لقب “مهجر ومهجرة”، من طفل وُلد مهجراً إلى مُسن مات وهو مهجر، أُجبروا عليها هربًا من قصف المحتل التركي ومرتزقته بفترات زمنية متتالية من مدينتهم الأم عفرين في الـ 2018.
تسع سنوات من الانتظار، تسع سنوات من الأمل، تسع سنوات من تهجير إلى تهجير ومن خيمة إلى خيمة كطقس موسمي، تسع سنوات من غربة المكان والروح، تسع سنوات من كل صوت مجهول يدق القلب ومن كل حركة خافتة، تسع سنوات خلّفت ورائها حكاية وحكاية لكل أسرة عفرينية صارعوا من أجل البقاء والعودة إلى ديارهم مجددًا، قاوموا وأعينهم ترحل إلى مدينتهم على مدار الساعة وقلوبهم تنفطر شوقاً إليها ولزيتونها، تسع سنوات من الدعاء بين أفواه مُسنيها إلى رب السماء، تسع سنوات وهم يحاولون ويرتبون أحرف الألم إلى الأمل، تسع سنوات وعفرين أيضاً تنتظر أبناؤها.
كل عفريني حمل اسم مدينته بطريقته، منهم في قلوبهم، منهم في كلمات أغانيهم، منهم في صورة من عدسته، منهم بقطعة من ذكرياته بقيت معه في تهجيره يسترد به اشتياقه، منهم بإنجازات ومكتسبات حققوها رغم تهجيرهم، ومنهم بتسمية أطفالهم باسم “عفرين أو أفرين”.
ففي صباح الـعشرين من تشرين الثاني 2018 بدأ طوفان الحرب على عفرين واحتُلت تماماً في الـثامن عشر من آذار من العام نفسه. واليوم.. آذار عاد بنفسه إلى تاريخ الكرد والعفرينين بشكلٍ خاص، لربما أراد أن يجعل من نفسه فصلاً من فصول الانتصار بعد خيبة أمل، اليوم وتحديداً في العاشر من آذار، هُناك في عفرين، حيث العيد بدأت من الآن عودة أولى قافلة لمهجري عفرين إلى مدينتهم، 366 قرية ستحتضن أبناءها، ستفتح ماباتا، جندريسه، شيه، راجو، بلبله، شرا، شيراوا أبواب بيوتها، ستعود الزيتون للذتها والأغصان لجمالها، روح كل شهيد ممن أضاعوا في ضريحهم ستعود وتلتف حول أمهُ، أباهُ، زوجتهُ، طفلهُ، صديقهُ وحبيبتهُ، ولحن الدف والزرنة سيطرق المسامع.
يمكن تفسيره على أن لآذار علاقة مفصلية في حياة الكرد، يستطيعوا فيها وعبر براهين كثيرة، أن آذار شهر كردي بامتياز بين قسوته وفرحه، بين الهزيمة ونشوة الانتصار نتيجة تصادم أحداثه التاريخية في خبايا ذاكرته، من حلبجة إلى الأنفال، ومن قامشلو إلى كوباني ومن ثم عفرين.
في الحقيقة أن مقاومة أهالي عفرين لم تكن 58 يوماً فقط من مواجهة أثقل أسلحة المحتل التركي، بل أضافت عليها تسع سنوات من مقاومة النزوح والتهجير وكل فصول المعاناة، هم المناضلون الحقيقيون، ولطالما تعايشوا مع كافة هذه الآلام بإرادتهم استردوا حقوقهم فهم الجذور التي لا تموت بل يمنحون الحياة.
حب العفرينيين لأرضهم، جبالهم وزيتونهم لم يأتِ من العبث أو العدم، فهم أبناء المناضلين “سلافا وبيريفان وسيدو وكاركر وعكيد”، أبناء بلد الفن والتراث “عدنان دلبرين، محمد علي تجو، جميل هورو، حسن نوري، عمر جملو وحميشي كورك”، أبناء مدينة العلم والتقوى الفقيه الشيخ حسين، أبناء تلك المدينة الذين حملوا منذ البداية شعار المقاومة واللااستسلام.
ما كتبته في مقالتي هذه كان بعين تهجير، بأحاسيس فضفاضة بين ما أشاهده من مقاطع عودتهم وما أقرأه، وبين المسافات التي تفصلني بين عفرين، وحييّ وأهلي.
تهجيري، قافلتي، خيمتي.. وإلى عفرين
No Result
View All Result