No Result
View All Result
جل آغا/ أمل محمد – أكدت نساء من مدينة كركي لكي، أن الزي الكردي ليس مجرد ثوب بل هو ذاكرة الوجود والهوية التي استُمدت من الأجداد، مشيرات إلى أنّ النساء لهن الدور الأساسي في صونه ونقله للأجيال.
يصادف العاشر من آذار من كل عام “يوم الزي الكردي”، إلّا أنّه لا يقتصر على هذا اليوم فقط، ففي الأسواق والبيوت حضور لا يخفت في أزقة المدن الكردية وقرى الجبال، لا يزال المشهد مألوفاً نساءٌ يمضين إلى أعمالهنّ أو أسواقهنّ بثيابٍ تقليديّة زاهية، تتهادى أقمشتها مع الخطا، وتلمع خيوطها تحت شمس الصباح، ليس الزي هنا مجرد خيارٍ احتفالي، بل امتدادٌ طبيعي للحياة اليوميّة.
يتكون الثوب غالباً من فستانٍ طويلٍ ملون، ينسدل بنعومة، تعلوه طبقة شفافة أو سترة خفيفة، ويُشد بحزامٍ يحدد القوام، الألوان ليست عشوائية، الأحمر يدل على الفرح، والأخضر على الأرض، والذهبي على الكرامة وفي التفاصيل الصغيرة من الأساور إلى أغطية الرأس تختبئ حكايات المكان والعائلة.
بين الجذور والتجدد
رغم تسارع أنماط الموضة الحديثة، تتمسّك كثيرٌ من النساء الكرديّات في مقاطعة الجزيرة بزيّهن التقليدي، لا سيما في المناسبات الاجتماعية والوطنية، وعلى رأسها احتفالات عيد النوروز والثامن من آذار “اليوم العالمي للمرأة” وغيرها، حيث تتحول الساحات إلى لوحاتٍ حية من الألوان والأنغام.
وبصدد هذا، رصدت صحيفتنا “روناهي“، آراء نساء من مدينة كركي لكي التابعة لمدينة قامشلو، تقول “سكينة غالب” في عقدها الخامس من العمر: “نرتدي الزي الكردي التقليدي، إشارة إلى اعتزازنا بالهوية، إن ارتداءه يمنحنا شعوراً بالقوة والانتماء، ويذكّرنا بجذورٍ لا تنفصل عن الحاضر”.
مضيفةً: “من صغري وأنا أرتدي الزي الكردي التراثي علمتني والدتي أنّ هذا الثوب هو هويتنا، نرتدي الملابس الكردية التقليدية في المناسبات الاجتماعية والوطنية وعيد النوروز والمرأة، للأسف أصبح هذا الزي مرتبط فقط بالمناسبات ولكنه في الماضي كان الزي الموحد لكافة النساء الكرديات، حينها كانت هناك أثواب مخصصة للعمل وأخرى للمناسبات ومنها للحياة اليومية”.
لا يُختصر تمسّك النساء الكرديات بالزي التقليدي في حدود الجمال أو العادة، بل يتجاوزهما إلى معنى أعمق، رسالة صامتة بأنَّ الهوية يمكن أن تعيش في تفاصيل الحياة اليومية فكل ثوبٍ يُخاط يدوياً، وكل تطريزٍ يُنجز بعناية، هو فعلُ مقاومة للنسيان.
واختتمت “سكينة غالب”: “ارتداء الزي الكردي تأكيد على استمرارية التراث، الزي الكردي ذاكرةٌ من قماش وهويةٌ تُقاوم النسيان، فلا يزال الزي الكردي حاضراً بوصفه أكثر من ثوب، إنّه رواية شعبٍ كتبها الألوان والخيوط، تتنوع أشكاله بين مناطق كردستان، لكنه يحافظ على سماتٍ جامعة واحدة، الأقمشة اللامعة، التطريز الدقيق، الأحزمة العريضة، وطبقات القماش التي تمنح الثوب وقاراً وهيبة”.
دور المرأة في حماية الزي الكردي
فيما أشارت “منجة سليمان” “58” عاماً وهي تصف الزي الكردي: “للرجل زيه الذي يتكون غالباً من سروالٍ فضفاض وقميصٍ طويل، ويُشد بحزامٍ عريض، أما المرأة الكردية فتتألّق بثوبٍ طويلٍ ملون، تتداخل فيه درجات الأحمر والأخضر والأزرق والذهبي، وتُزينه نقوشٌ تعكس طبيعة الجبال وخصوبة الأرض”.
وتابعت: “ليس الزي الكردي مجرد مظهرٍ احتفالي، إنّه لغةٌ رمزية تعبر عن الانتماء والفرح والمكانة الاجتماعية، ويبرز حضوره بقوة في الأعياد والمناسبات، وعلى رأسها احتفالات عيد نوروز، حيث تتحول الساحات إلى لوحاتٍ حية من الألوان المتراقصة”.
في قلب هذه الحكاية تقف المرأة الكردية، لا بوصفها مرتديةً للزي فحسب، بل صانعةً له وحافظةً لأسراره، فمنذ قرون توارثت النساء مهارات الحياكة والتطريز، وكن يُعلمن بناتهن كيف تُختار الأقمشة، وكيف تُنسق الألوان، وكيف يُغزل الخيط ليصير جزءاً من ذاكرة العائلة، وتضيف منجة: “قبيل عقود من اليوم كنا نطرز ونخيط الثوب الكردي بأيدينا وكان ذلك يمنحنا السعادة، نشعر بالفخر حين نخيط ثقافتنا وتاريخنا، ورثنا ذلك من جداتنا، واليوم تلعب الأم دوراً أساسياً في نقل هذا الإرث فالثوب الذي يُخاط لابنتها ليس قطعة ملابس عابرة، بل رسالة محبة وانتماء”.
ومع تسارع مظاهر الحداثة، لم تتراجع مكانة الزي الكردي، فقد أصرت النساء على ارتدائه في المناسبات الوطنية والثقافية، تأكيداً على حضور الهوية في الحياة المعاصرة، وعن هذا بينت: “اليوم يقع على عاتقنا أن نُعيد للزي الكردي مكانته الحقيقية، فهو الماضي والحاضر والمستقبل”.
كما أشارت إلى أنّه على الرغم من تغير الأذواق وأنماط الحياة بقي الزي الكردي شاهداً على تاريخٍ عريق، واختتمت حديثها: “إنه يختصر علاقة الإنسان بأرضه، ويجسد اعتزاز المجتمع بتراثه، وفي كل مرة ترتدي فيه امرأة كردية ثوبها التقليدي، فهي لا تستعيد الماضي فحسب، بل تؤكد أن الهوية قادرة على التجدد”.
وهكذا يظل الزي الكردي علامةً مضيئة في سجل التراث الإنساني، وتبقى المرأة الكرديّة الركيزة الأساس في صونه ونقله للأجيال، حارسةً للخيط الذي يربط الحاضر بالجذور.
No Result
View All Result