No Result
View All Result
عبد الوهاب بيراني (كاتب وناقد)
تمثل الموسيقا الكردية من أكثر المكونات عمقاً في البنية الثقافية والوجدانية للشعب الكردي، فهي ليست فناً ترفيهياً عابراً بقدر ما هي ذاكرة حية، وأرشيف نفسي يسجل عبر الألحان والكلمات تاريخاً كاملاً من الحياة اليومية والنضال والحب والفقدان والحنين.
لقد عاشت الموسيقا الكردية قروناً طويلة وهي تتشكل في الجبال والسهول والقرى الكردية، حيث كانت الأغنية وسيلة للتعبير عن الذات الجماعية، ووسيلة أيضاً لحفظ الحكايات والتجارب التي لا تدونها الكتب، وفي المجتمعات التي تعرضت للتهميش والاضطرابات السياسية، تصبح الموسيقا أحياناً بديلاً عن التاريخ المكتوب، ولهذا احتلت الأغنية الكردية مكانة مركزية في وجدان الكرد.
منذ القرن التاسع عشر لاحظ عدد من الباحثين والمستشرقين هذه العلاقة الخاصة بين الكرد والموسيقا، فقد وصف المفكر الأرمني خ. آبوفيان هذه العلاقة قائلاً إن الروح الشاعرية تكمن في أعماق كل كردي، وإن الغناء عند الكرد ينبع من الحياة نفسها، فهم يغنون لجبالهم ووديانهم وأنهارهم، ويغنون للشجاعة وللحب وللخيول وللنساء الجميلات، وكل ذلك يتدفق من أعماق المشاعر الإنسانية الصادقة، وهذا الوصف لم يكن مبالغة أدبية، بل تعبيراً عن حقيقة اجتماعية وثقافية، إذ إن الغناء في المجتمع الكردي كان دائماً جزءاً من الحياة اليومية، في الأعراس والمواسم والاحتفالات، وفي لحظات الحزن.
أما الباحث الفرنسي توما بوا فقد أشار إلى أن الموسيقا الكردية تمتلك شخصية مستقلة داخل فضاء الموسيقا الشرقية، فهي قريبة من المقامات الشرقية لكنها ليست نسخة عنها، كما أنها لا تذوب في الموسيقا العربية أو التركية أو الأرمنية، بل تمتلك نبرة خاصة وإيقاعات مميزة تعكس طبيعة البيئة الجبلية والثقافة الشعبية للكرد، وهذا ما جعلها تؤثر أيضاً في موسيقا الشعوب المجاورة عبر القرون.
تشير الدراسات التاريخية كذلك إلى أن الموسيقا الكردية لم تكن فناً بسيطاً أو بدائياً، بل كانت متطورة في مراحل تاريخية مبكرة، ففي العصر الساساني الذي ازدهرت فيه الفنون في المنطقة، كان للموسيقا الكردية حضور واضح، واستمرت هذه التقاليد في الذاكرة الشعبية حتى العصور الحديثة. ويذكر الرحالة البريطاني كلاوديوس ريج في مذكراته عن رحلاته في كردستان في عشرينيات القرن التاسع عشر أن الكرد كانوا شديدي الميل إلى الموسيقا، وأن أغلب ألحانهم تحمل مسحة من الحزن العميق، واصفاً إياها بالأغاني الرقيقة التي تمزج بين العاطفة والحنين.
هذه الخلفية الثقافية الواسعة شكلت الأرضية التي نمت فيها الأغنية الكردية الحديثة، وهي الأغنية التي بدأت تأخذ شكلاً أكثر تنظيماً مع ظهور الإذاعات والتسجيلات الصوتية في القرن العشرين، وفي هذا السياق ظهر عدد من الفنانين الذين أسهموا في نقل الأغنية الكردية من فضائها المحلي المحدود إلى فضاء أوسع وأكثر تأثيراً، ومن بين هؤلاء الفنانين برز اسم محمد شيخو بوصفه واحداً من أهم الأصوات التي ساهمت في تشكيل ملامح الغناء الكردي المعاصر.
ولد محمد شيخو عام 1948 في قرية خجوكي القريبة من مدينة قامشلو في الجزيرة بشمال سوريا، في عائلة كبيرة مؤلفة من أربعة عشر فرداً، كان الابن الأكبر في العائلة، وقد نشأ في بيئة ريفية بسيطة لكنها غنية بالتقاليد الغنائية الشعبية، في تلك البيئة كان الغناء جزءاً من الحياة اليومية، وكانت الآلات الموسيقية التقليدية مثل البزق والطنبور والزرنة والطبل ترافق المناسبات الاجتماعية المختلفة، منذ طفولته أظهر محمد شيخو ميلاً واضحاً إلى الموسيقا، وكان يقضي ساعات طويلة وهو يستمع إلى الأغاني الشعبية ويحاول تقليدها.
درس المرحلة الابتدائية في قريته ثم تابع دراسته الإعدادية في مدينة قامشلو، وتشير روايات عائلته إلى أنه كان متفوقاً دراسياً، حتى إنه حصل على “ريشة ذهبية” تقديراً لتفوقه في المدرسة، لكن شغفه بالموسيقا كان أقوى من رغبته في متابعة الدراسة التقليدية، فقد بدأ منذ سنوات المراهقة يتعلم العزف على آلة البزق، وهي آلة وترية ذات صوت دافئ تحتل مكانة مهمة في الموسيقا الكردية، وفي بداياته لم تكن الإمكانات متوفرة، ولذلك كان يصنع آلته بنفسه باستخدام مواد بسيطة مثل علب الزيت والخشب وخيوط مأخوذة من الأحصنة ليصنع الأوتار.
تلقى دروسه الموسيقية الأولى على أيدي عدد من الفنانين المعروفين في المنطقة مثل حسن توفو وخليل إيزيدي وحليم حسو، وقد رافقهم في حفلات عديدة في القرى المحيطة بقامشلو، حيث اكتسب خبرة عملية في الغناء والعزف، وكانت تلك المرحلة بمثابة مدرسة حقيقية صقلت موهبته وحولته من شاب هاو إلى فنان محترف يمتلك أسلوباً خاصاً.
في عام 1970 قرر السفر إلى بيروت لمتابعة دراسة الموسيقا بشكل أكثر احترافية، كانت بيروت في تلك الفترة مركزاً ثقافياً وفنياً مهماً في الشرق الأوسط، وقد أتاحت له فرصة التعرف إلى تجارب موسيقية متنوعة، هناك انضم إلى لجنة الفن الكردي في لبنان التي كانت تنظم حفلات فنية لدعم الثورة الكردية في إقليم كردستان العراق، وكانت مشاركته في حفلة كبيرة في صالة سينما ريفولي عام 1972 نقطة تحول في مسيرته، إذ قدم أغانيه أمام جمهور واسع للمرة الأولى، فخلال وجوده في لبنان تعرف إلى عدد من كبار الفنانين مثل فيروز ووديع الصافي ونصري شمس الدين وسميرة توفيق، كما التقى بالأخوين عاصي ومنصور الرحباني، وهذا الاحتكاك بمدارس فنية مختلفة أثر في تجربته الموسيقية ومنحه رؤية أوسع للغناء والتلحين، وسجل بعض الأغاني باللغة العربية.
بعد ذلك توجه إلى العراق في بداية السبعينات حيث أحيا حفلات عدة في بغداد وكردستان العراق، وهناك سجل عدداً من أغانيه في القسم الكردي في إذاعة بغداد وتلفزيون كركوك، الأمر الذي ساهم في انتشار صوته بين الجمهور الكردي في العراق، كما تعرف إلى عدد من كبار الفنانين الكرد مثل تحسين طه ومحمد عارف جزراوي وعيسى برواري وشمال صائب وكولبهار، وقد غنى أيضاً قصائد لعدد من الشعراء الكرد المعروفين مثل بدرخان سندي وسكفان عبد الحكيم وخلف زيباري ومصطفى الأتروشي.
في عام 1973 التقى بالزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني الذي كرمه ومنحه علم كردستان تقديراً لفنه ومواقفه، كان لهذا اللقاء أثر رمزي كبير في حياته إذ شعر بأن الفن يمكن أن يكون أيضاً شكلاً من أشكال التعبير والنضال القومي.
عندما عاد إلى سوريا عام 1974 سجل أول ألبوماته بعنوان “كوري”. وقد تضمن الألبوم عدداً من الأغاني التي حملت مضامين قومية وعاطفية، لكن هذا النجاح الفني لم يكن خالياً من التحديات، إذ بدأت السلطات السورية بملاحقته وممارسة الضغط والتعذيب بحقه، بسبب الطابع القومي لأغانيه، الأمر الذي اضطره إلى مغادرة بلده والالتحاق بصفوف البيشمركة في جبال كردستان العراق.
بعد انهيار الثورة الكردية في العراق عام 1975 انتقل مع عدد من المقاتلين إلى كردستان إيران حيث عاش فترة من اللجوء في معسكرات البيشمركة، في تلك الظروف الصعبة لم يتوقف عن الغناء، بل شكل فرقة فنية من جرحى المعسكر وسجل في مدينة مهاباد ألبومه الشهير “أي فلك”، الذي يعد من أهم أعماله الفنية.
لاحقاً واجه ضغوطاً من السلطات الإيرانية بسبب الطابع السياسي لأغانيه، وتم نفيه إلى مدينة كردية قرب بحر قزوين، وخلال تلك الفترة تعلم اللغة الفارسية وعمل مدرساً للغة العربية في إحدى المدارس الثانوية، وهناك تعرف إلى نسرين حسين ملك التي أصبحت زوجته لاحقاً، وغنى لها أغنيته الشهيرة “نسرين” التي تحولت إلى واحدة من أجمل الأغاني العاطفية في الغناء الكردي.
بعد الثورة الإيرانية عام 1979 عاد إلى سوريا مع عائلته عام 1983 بعد صدور عفو عنه، وفي قامشلو أسس فرقة موسيقية وبدأ بتدريس دورات موسيقية للشباب، كما افتتح استديو تسجيلات حمل اسم “فلك”، لكن نشاطه الفني واجه مرة أخرى تضييقاً من السلطات التي أغلقت الاستديو بسبب المضمون القومي لأغانيه.
في التاسع من آذار عام 1989 توفي محمد شيخو في المستشفى الوطني بقامشلو بعد صراع مع المرض، وقد شيعته جماهير غفيرة في جنازة وصفت بأنها واحدة من أكبر الجنازات التي شهدتها المدينة. وكان قد كتب قبل وفاته كلمات مؤثرة في إحدى أغانيه يقول فيها: “عندما أموت، أيها الأحياء، لا تدفنوني مثل الجميع، كل آذار أيقظوني”.
لم يكن محمد شيخو مجرد مطرب يؤدي الأغاني، بل كان مجدداً في الموسيقا الكردية، فقد ساهم في توسيع المقامات الموسيقية المستخدمة في الأغنية الكردية، وأدخل بعض المقامات الشرقية والغربية مثل العجم والنهاوند وشر عربان، لكنه أعاد صياغتها بروح كردية، هذا المزج بين الأصالة والتجديد منح ألحانه طابعاً خاصاً وجعلها قريبة من الذوق الشعبي وفي الوقت نفسه متطورة موسيقياً.
تميزت أغانيه أيضاً بالجمع بين البعد الوطني والبعد الإنساني، فقد غنى للوطن والحرية والمنفى، لكنه غنى أيضاً للحب والأم والطفولة والحنين، وهذه الثنائية جعلت فنه قريباً من الناس، لأن المستمع كان يجد في أغانيه جزءاً من تجربته الشخصية.
كما لعب الشعر دوراً مهماً في أعماله، إذ تعاون مع عدد من الشعراء الكرد المعاصرين الذين قدموا نصوصاً شعرية عالية المستوى، وقد استخدم في أغانيه اللغة الكردية القريبة من الناس، الأمر الذي جعل كلماته سهلة الحفظ والترديد.
السر الحقيقي في تأثير محمد شيخو يكمن في صدق التجربة، فهو لم يغني عن المنفى مثلاً وهو يعيش حياة مستقرة، بل عاش المنفى فعلاً، ولم يغنِ عن الألم دون أن يعرفه، بل عاش ظروفاً قاسية من اللجوء والملاحقة، لهذا كانت أغانيه تبدو وكأنها جزء من سيرة حياة كاملة.
بعد أربعة عقود تقريباً على رحيله ما زال صوته حاضراً في وجدان الكرد في كل مكان، تتردد أغانيه في البيوت والمناسبات، ويعيد الفنانون الشباب أداءها في الحفلات، ومع تطور التكنولوجيا أصبحت تسجيلاته متاحة عبر المنصات الرقمية، مما أتاح لجيل جديد اكتشاف هذا الصوت.
إن مسؤولية الأجيال الجديدة اليوم لا تكمن في تقليد محمد شيخو حرفياً، بل في الاستفادة من تجربته والبحث عن طرق جديدة لتطوير الأغنية الكردية، حيث يمكن إعادة توزيع ألحانه باستخدام تقنيات حديثة، أو دمجها مع أنماط موسيقية عالمية مثل الجاز أو الروك أو الموسيقا الإلكترونية، شرط الحفاظ على روحها الأصلية.
كما يمكن للباحثين والموسيقيين دراسة تجربته بشكل أكاديمي وتحليل ألحانه وأساليبه الأدائية لفهم أسرار نجاحه، ويمكن أيضاً إنتاج أعمال بصرية حديثة لأغانيه وإقامة حفلات تكريمية يشارك فيها فنانون شباب لإعادة تقديم إرثه للأجيال الجديدة.
لقد أثبتت تجربة محمد شيخو أن الفن الصادق قادر على تجاوز الزمن، فالأغنية التي تنبع من القلب تجد طريقها دائماً إلى القلوب الأخرى مهما تغيرت الأزمنة، ولهذا بقي صوته حياً بعد رحيله، وبقيت أغانيه جزءاً من ذاكرة شعب كامل.
في كل آذار يعود اسمه إلى الذاكرة، ويستعيد الكرد صوته الذي غنى للحياة رغم كل الصعوبات، لقد تحول محمد شيخو إلى رمز فني وثقافي، وإلى مثال على قدرة الموسيقا على حمل هوية شعب بأكمله، وربما لهذا السبب تبدو وصيته التي قال فيها “كل آذار أيقظوني” وكأنها تحققت بالفعل، فصوته ما زال يستيقظ كل عام في قلوب محبيه، ليذكرهم بأن الفنان الحقيقي لا يموت، بل يتحول إلى لحن دائم في ذاكرة الزمن، وفي وجدان شعبه.
No Result
View All Result