No Result
View All Result
محمد عيسى
بداية المأساة
لم يكن عام 2018 مجرد فصلٍ عابر في ذاكرة السوريين، بل تحوّل إلى بداية واحدة من أكثر صفحات الأزمة السورية قسوةً وتعقيداً، ففي كانون الثاني من ذلك العام، ومع بدء الطائرات الحربية التركية شنّ غارات مكثفة على مقاطعة عفرين في شمال غرب سوريا، بدأت ملامح الجغرافيا السياسية والعسكرية في المنطقة تتغيّر بصورة جذرية. كانت عفرين، التي عاشت لسنواتٍ حالة من الاستقرار النسبي مقارنةً بمناطق سوريّة أخرى، تدخل فجأةً في قلب معادلةٍ عسكرية إقليمية، حيث واجه المدنيون والسكان المحليون قوةً عسكريةً نظاميةً مدعومةً بغطاءٍ جوي كثيف وتشكيلات مسلحة متعددة.
خلال ثمانية وخمسين يوماً من القتال المتواصل، قاوم أبناء المنطقة الهجوم بأسلحة محدودة وإمكانات متواضعة، فيما كانت الطائرات الحربية والمدفعية الثقيلة تقصف القرى والبلدات بشكلٍ يومي. لم تكن المعركة مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت بداية سلسلة طويلة من التحولات التي ستترك آثاراً عميقة على النسيج الاجتماعي والإنساني في المنطقة.
لكن المأساة لم تتوقف عند حدود عفرين. ففي التاسع من تشرين الأول 2019، شنت تركيا المجموعات الموالية لها عملية عدوانية جديدة استهدفت مدينتي سري كانيه وتل أبيض/ كري سبي في شمال وشرق سوريا. خلال أيام قليلة من القتال، خلّفت الهجمات مئات القتلى والجرحى بين المدنيين، وأجبرت أكثر من مئتي ألف شخص على التهجير القسري من منازلهم.
كان ذلك العدوان واحداً من أكثر المحطات دموية في مسار الحرب السوريّة، ليس فقط بسبب حجم الضحايا “شهداء وجرحى” والانتهاكات التي رافقته، بل لأنه فتح الباب أمام عملية ممنهجة لإعادة تشكيل التركيبة السكانية في المنطقة. فقد وثّقت منظمات حقوقية دولية عمليات نهب للممتلكات الخاصة، وعمليات خطف وتعذيب، فضلاً عن إحلال عائلات من مناطق أخرى في المنازل التي تركها السكان الأصليون.
وهكذا، ومع مرور السنوات، تحولت عفرين وسري كانيه وكري سبي إلى مناطق تعيش واقعاً معقداً من الاحتلال والتغييرات الديمغرافية والانتهاكات المتواصلة، فيما بقي عشرات الآلاف من المهجرين يعيشون في مخيمات التهجير روج آفا.
وفي الثامن من كانون الأول 2024، شهدت سوريا تحوّلاً سياسياً كبيراً مع سقوط نظام بشار الأسد وتشكيل حكومة مؤقتة تولّت إدارة البلاد في مرحلة انتقالية حساسة. يومها، ساد اعتقاد واسع لدى كثير من السوريين بأن تلك اللحظة قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التسويات السياسية، وربما عودة تدريجية للمهجرين إلى مناطقهم. غير أن الوقائع على الأرض سرعان ما كشفت أن الطريق نحو تلك العودة لم يكن سهلاً، فالمناطق التي احتلت من دولة الاحتلال التركي والمجموعات المرتبطة بها بقيت تعيش واقعاً أمنياً وسياسياً معقداً، فيما استمرت التقارير الحقوقية في توثيق الانتهاكات والانفلات الأمني.
في خضم هذا الواقع، برز في التاسع والعشرين من كانون الثاني اتفاق سياسي مهم بين الحكومة السورية المؤقتة و”قوات سوريا الديمقراطية”، حيث أعلن الطرفان التوصل إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار والتفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين.
اتفاق 29 كانون الثاني.. عودة المهجّرين كبندٍ أساسي
شكّل الاتفاق الذي أُعلن في التاسع والعشرين من كانون الثاني محطة سياسية مفصلية في مسار العلاقة بين الحكومة السوريّة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية. فقد تضمّن الاتفاق أربعة عشر بنداً موزعة على أربعة مراحل تنفيذية تمتد لمدة شهر، إضافةً إلى مرحلة خامسة تتضمن التزامات دائمة بين الطرفين.
أحد أبرز البنود التي وردت في الاتفاق كان قضية عودة المهجرين إلى مناطقهم الأصلية، وخاصةً مهجري عفرين وسري كانيه وكري سبي، فقد نصَّ الاتفاق بوضوح على ضرورة تهيئة الظروف اللازمة لعودة المدنيين إلى منازلهم وضمان أمنهم وسلامتهم، إضافةً إلى وضع آليات لإدارة المناطق المحلية بصورة تشاركية تضمن مشاركة سكانها الأصليين في إدارة شؤونهم.
بالنسبة للآلاف من العائلات التي تعيش في مخيمات التهجير منذ سنوات، بدا هذا البند بمثابة بارقة أمل طال انتظارها، فقد عاشت تلك العائلات سنوات طويلة في ظروف قاسية، وسط خيام مهترئة ومساعدات إنسانية محدودة، فيما بقي حلم العودة إلى المنازل والأراضي التي تركوها يرافقهم في كل يوم. لكن، وعلى الرغم من مرور أسابيع على توقيع الاتفاق، بدأت تظهر مؤشرات على تعثّر تنفيذ بعض بنوده، وخاصةً تلك المتعلقة بعودة المهجرين، فبحسب متابعين ومصادر مطلعة، تمضي قوات سوريا الديمقراطية بخطوات عملية لتنفيذ التفاهمات، بينما ما تزال الحكومة السورية المؤقتة تتعامل مع بعض البنود ببطء شديد، الأمر الذي أثار مخاوف من احتمال تأجيل ملف العودة مرة أخرى.
ورغم ذلك، استمرت الجهود الميدانية للتحضير لعودة أولى دفعات المهجرين. ففي تصريحات رسمية، أعلن القيادي في قوى الأمن الداخلي (الأسايش) محمود خليل المعروف باسم “سيامند عفرين” عن بدء الإجراءات العملية لتنظيم عودة المهجرين إلى مناطقهم. وأوضح أن يوم الاثنين التاسع من آذار 2026 سيكون موعد انطلاق الدفعة الأولى من العائلات العائدة، والتي تضم نحو أربعمئة عائلة، على أن يكون التجمع في دوار البانوراما بمدينة الحسكة عند الساعة العاشرة صباحاً وبالفعل توجهت الدفعة الأولى من المهجرين من قامشلو باتجاه الحسكة لتعود إلى عفرين.
وأشار خليل إلى أن هذه الخطوة تمثل بداية مسار طويل يهدف إلى إعادة جميع المهجرين إلى مناطقهم، مؤكداً أن عودة السكان الأصليين إلى أراضيهم تُعد ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار في شمال سوريا.
وأضاف إن مرحلة التهجير التي استمرت لسنواتٍ يجب أن تنتهي بعودة أبناء الأرض إلى بيوتهم بكرامة وأمان، مؤكداً أن الجهود ستستمر حتى يعود آخر مهجّر إلى منزله.
المخيمات المنسية حياة بين البرد والحرمان
بين عامي 2018 و2019، تدفقت موجات التهجير من عفرين وسري كانيه نحو مناطق شمال وشمال شرق سوريا، حيث أُنشئت مخيمات طارئة لإيواء عشرات الآلاف من العائلات. ومع مرور الوقت، تحولت تلك المخيمات إلى تجمعات سكانية شبه دائمة يعيش فيها المهجرون منذ سنوات.
في منطقة الشهباء شمال حلب، يعيش مهجرو عفرين في عدد من المخيمات والتجمعات السكنية المؤقتة، فيما يقيم مهجرو سري كانيه بشكل رئيسي في مخيم واشو كاني قرب مدينة الحسكة، إضافةً إلى تجمعات أخرى في منطقة تل تمر.
بحسب تقديرات منظمات إنسانية وتقارير أممية محدثة حتى عام 2026، يعيش في هذه المخيمات عشرات الآلاف من المدنيين الذين يعانون من ظروف معيشية صعبة للغاية. وتشير تقارير منظمات مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش إلى أن هذه المخيمات تُصنف على أنها “مخيمات غير رسمية”، ما يعني أنها لا تحظى بمستوى الدعم نفسه الذي تحصل عليه المخيمات المعترف بها دولياً.
هذه الصفة القانونية أدت إلى ضعف كبير في استجابة المنظمات الدولية الكبرى، مثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ما جعل عبء الإغاثة يقع بشكل شبه كامل على عاتق الإدارة المحلية والمنظمات غير الحكومية الصغيرة. وفي ظل هذا الواقع، يواجه المهجرون تحديات إنسانية متعددة، تبدأ من نقص الغذاء والدواء ولا تنتهي عند غياب الخدمات الأساسية.
إحدى أبرز الأزمات التي تواجه المخيمات هي أزمة المياه، فقد أدى تكرار قطع المياه عن محطة علوك، التي تُعد المصدر الرئيسي لمياه الشرب في مدينة الحسكة ومخيماتها، إلى انتشار أمراض منقولة عبر المياه مثل الالتهابات المعوية وحالات الكوليرا.
كما تعاني النقاط الطبية في المخيمات من نقص شديد في الأدوية الأساسية، خاصةً الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب. وبسبب القيود الأمنية وصعوبة التنقل، يواجه المرضى أحياناً صعوبة كبيرة في الوصول إلى المشافي الكبرى في مدينتي قامشلو أو حلب، الأمر الذي يؤدي في بعض الحالات إلى تدهور حالتهم الصحية أو حتى وفاتهم.
وفي حديثٍ خاص لصحيفتنا “روناهي”، وصف المحامي والناشط الحقوقي “جوان عيسو” الواقع الإنساني الذي يعيشه مهجّرو سري كانيه وعفرين في مخيمات روج آفا بأنه واقع بالغ القسوة، مؤكداً أن سنوات التهجير الطويلة لم تغيّر كثيراً من حجم المعاناة اليومية التي يعيشها آلاف المدنيين.
وقال عيسو إن “الواقع المعيشي لمهجّري سري كانيه وعفرين في المخيمات ومراكز الإيواء صعب جداً، وحتى بعد موجة النزوح والتهجير الأخيرة ما زالت الأوضاع على حالها بل تزداد سوءاً في بعض المناطق”. وأضاف أن عدداً كبيراً من مهجّري عفرين لا يقيمون فقط في المخيمات، بل يعيشون أيضاً في المدارس وبعض المؤسسات العامة وحتى في دور العبادة، في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الطبيعية.
وأوضح أن الوضع الإنساني في تلك الأماكن سيء جداً من الناحية المعيشية، ويمكن وصفه بالمأساوي، سواء داخل المخيمات أو في مراكز الإيواء المؤقتة، مشيراً إلى أن المخيمات تفتقد للكثير من أساسيات الحياة الكريمة، سواء من حيث الكهرباء والمياه أو الخدمات العامة. كما لفت إلى وجود تحديات كبيرة على الصعيد الصحي والتعليمي، حيث تعاني المخيمات من ضعف الخدمات الطبية وقلة الإمكانيات اللازمة لضمان تعليم مستقر للأطفال. وأكد عيسو إن هذا الواقع الصعب يجعل المهجّرين بحاجةٍ ماسّة إلى دعم إنساني ومادي مستمر، محذراً من أن استمرار هذا الوضع دون دعم كافي قد يؤدي إلى مزيد من التدهور في الظروف المعيشية. وأضاف أن مسؤولية تقديم هذا الدعم لا تقع على جهة واحدة فقط، بل هي مسؤولية جماعية تقع على عاتق المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية وجميع الجهات المعنية، وذلك إلى حين تهيئة الظروف المناسبة لعودة المهجّرين إلى مناطقهم الأصلية. وفيما يتعلق بالاتفاق الموقّع في 29 كانون الثاني بين الحكومة السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية، أوضح عيسو أن الاتفاق يتضمن عدة بنود أساسية، من أبرزها بند عودة المهجّرين إلى ديارهم. لكنه أشار إلى أن هناك تحديات ما تزال تعرقل الإسراع في تنفيذ هذا الملف.
وبيّن أن بعض الخطوات الإدارية التي جرت داخل مدينة سري كانيه، مثل تعيين مدير للمنطقة ورئيس للبلدية، أثارت حالة من عدم الرضا لدى المهجّرين وبعض السكان الأصليين، الذين يرون أن إدارة المدينة يجب أن تكون مرتبطة بعودة أهلها ومشاركتهم في إدارة شؤون منطقتهم.
وختم عيسو تصريحاته بالتأكيد على أن قضية عودة المهجّرين تُعدُّ من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، مشدداً على ضرورة توفير ضمانات أمنية وإدارية واضحة، إضافةً إلى حماية ممتلكات المهجرين أو إعادة ما تم الاستيلاء عليه منها، لضمان عودة آمنة ومنظمة تمنع تكرار الانتهاكات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.
عقبات سياسية
رغم وضوح بند عودة المهجرين في اتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني، ما تزال عملية العودة تواجه عدداً من العقبات السياسية والإدارية. تشير مصادر متابعة إلى أن إحدى أبرز هذه العقبات تتعلق بملف الإدارة المحلية للمناطق التي سيعود إليها السكان، فالكثير من أهالي عفرين وسري كانيه يطالبون بأن تكون إدارة تلك المناطق بيد سكانها الأصليين، من خلال مجالس محلية منتخبة تُمثّل المجتمع المحلي. كما يطالبون بإنهاء وجود المجموعات المسلحة التي تتهمها تقارير حقوقية بارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين خلال السنوات الماضية. في المقابل، تبدو الحكومة السورية المؤقتة مترددة في اتخاذ خطوات حاسمة في هذا الملف، ما أدى إلى تأخر تنفيذ بعض بنود الاتفاق.
ويرى متابعون أن هذا التردد يعكس تعقيدات سياسية وأمنية مرتبطة بطبيعة النفوذ التركي في تلك المناطق، حيث ما تزال أنقرة تحتفظ بوجود عسكري مباشر، إضافة إلى دعمها لمجموعات مرتزقة تدير فعلياً العديد من المناطق.
وفي ظل هذا الواقع، تبقى عودة المهجرين قضية مفتوحة على احتمالات متعددة، بين أملٍ يراود آلاف العائلات بالعودة إلى منازلها ولا سيما بعد توجه الدفعة الأولى، ومخاوف من استمرار المماطلة السياسية التي قد تؤجل هذا الحلم مرة أخرى.
ومع ذلك، يبقى صوت المهجرين واضحاً: العودة إلى الأرض التي وُلدوا فيها، واستعادة حياتهم التي توقفت منذ سنوات، وبناء مستقبلٍ جديدٍ في مناطق يديرها أهلها أنفسهم بعيداً عن الخوف والتهجير.
No Result
View All Result