No Result
View All Result
أحمد عبد الرؤوف
الشعر العربي على امتداد عصوره توثيق جامع لتاريخ العرب، وكان يحظى بمكانة كبيرة عند مختلف فئات المجتمع آنذاك، وأيضاً عند الملوك والسلاطين، وكنت تجد رئيس القبيلة شاعراً، وكانت الكثير من الرسائل السياسية شعراً بليغاً أيام الحرب وأيام السّلم، وكان يجمع بين الحكمة والقوة والفخر والهجاء والمديح وغير ذلك من أغراض الشعر، ليكون الشعر الجاهلي قاعدة ثابتة لعصور الشعر التالية من شعر صدر الإسلام إلى الشعر الأموي والعباسي، والأندلسي وصولاً إلى الشعر العربي الحديث
قيم الشعر الجاهلي
لم يكن الشعر الجاهلي فقط هو شعر المعلّقات على ما حملته من ألفاظ جزلة ومعانٍ مركّبة وقيم ثابتة مثل الحكمة، والغزل العفيف والفخر، والوصف، وغير ذلك حيث يعدُّ الشعر الجاهلي ديوان العرب، ومن أروعه معلّقات امرئ القيس، وزهير بن أبي سلمى، وأبيات عنترة في العزة والشجاعة، ومن الأبيات التي خلدها التاريخ:
في الحكمة (زهير بن أبي سلمى):
“وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ
يَكُنْ حَمْدُهُ ذَمًّا عَلَيْهِ وَيَنْدَمِ
سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الحَيَاةِ وَمَنْ يَعِشْ
ثَمَانِينَ حَوْلاً لا أَبَا لَكَ يَسْأَمِ”
وفي الغزل والوصف (امرؤ القيس):
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ
بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
وَمَا ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إِلاَّ لِتَضْرِبِي
بِسَهْمَيْكِ فِي أَعْشَارِ قَلْب مُقَتَّلِ”
وفي الشجاعة والفخر (عنترة بن شداد):
“لا تَسْقِنِي مَاءَ الحَيَاةِ بِذِلَّةٍ
بَلْ فَاسْقِنِي بِالعِزِّ كَأْسَ الحَنْظَلِ”
تتميز هذه الأبيات بجزالتها، وقدرتها على تصوير حياة الصحراء ومشاعر الإنسان ببراعة، كما تعدُّ تصويراً نفسياً لحياة البشر في ذلك الوقت من خلال أدوات البلاغة المستخدمة في التشبيه والكناية والاستعارة، ومن خلال الوزن المستخدم واختيار القافية والروي وما يحمل ذلك دلالة على لغة العصر وأساليبه وثقافته وعاداته وتقاليده، وعند الغوص في معاني الشعر الجاهلي وموضوعاته ونظمه، وتركيبه يجدر الوقوف عند الشاعر “زهير بن أبي سلمى” الذي ولد في قبيلة “مزينة”، في منطقة نجد وسط شبه الجزيرة العربية، في أواخر القرن السادس الميلادي، نشأ زهير في بيئة قبلية تقليدية تأثّرت بعادات العرب وأخلاقهم كان أبوه شاعراً، وكذلك أخوه، ممّا جعل زهير يترعرع في جو أدبي مشبع بالشعر والبلاغة، ورث زهير عن أبيه حب الشعر، لكنه تميّز بأسلوبه الخاص، الذي اتّسم بالوضوح والصدق والحكمة، كان يعرف عنه أنه شاعر متّزن، لا يستعجل في نظم شعره بل كان يتأنّى ويصقل قصائده حتى تصل إلى أعلى درجات الجودة والإتقان، ومن هنا جاءت شهرته بأنه شاعر “الحوليات”، أي الذي كان يستغرق عاماً كاملاً في تنقيح قصيدته قبل أن يلقيها.
شعر زهير وموضوعاته
تميّز شعر “زهير بن أبي سلمى” بمزايا عدّة جعلته يحتل مكانة مرموقة في تاريخ الشعر العربي، من أبرز هذه المزايا الحكمة التي تتخلل أبياته، حيث كان يعكس في شعره تجاربه الحياتية ونظرته الفلسفية إلى الحياة والإنسان. تناول زهير في قصائده موضوعات عدة مثل المدح والحكمة، حيث كان زهير من الشعراء الذين عرفوا بحكمتهم ونظرتهم العميقة كان يستخدم الشعر وسيلة لنقل الحكمة والمواعظ، وكان زهير يدعو إلى السلم في زمن كانت فيه الحروب والنزاعات سمة الحياة القبلية، في معلّقته الشهيرة، ينتقد زهير الحروب ويدعو إلى التصالح والابتعاد عن النزاعات الدموية، ما جعله من الشعراء الداعين إلى السلام، كما يعكس شعر زهير تأمّلاته في الحياة ومحدوديتها، حيث كان يعبّر عن رؤية عميقة تجاه الموت والزوال.
معلقة زهير بن أبي سلمى
معلقته من أشهر وأهم قصائده، وهي واحدة من المعلقات السبع التي اختيرت لتعلّق على جدران الكعبة نظراً لقيمتها الأدبية العالية، تتألّف المعلّقة من 62 بيتاً، وهي تتناول موضوعات متعدّدة، بدءاً بالوقوف على الأطلال والتأمّل في الماضي، مروراً بالمدح والحكمة، وانتهاءً بالدعوة إلى السّلم والابتعاد عن الحروب، يبدأ زهير بالحديث عن الأطلال والديار التي تركها الأحبّة، وهو موضوع تقليدي في الشعر الجاهلي، ولكنه لا يطيل في هذا الموضوع، بل ينتقل بسرعة إلى مدح هرم بن سنان والحارث بن عوف، اللذين قاما بإنهاء حرب داحس والغبراء، يشيد زهير بحكمتهما في إيقاف الحرب، ويصفهما بالكرم والشجاعة، ثم يتناول زهير في المعلّقة موضوع الحكمة، ويعبّر عن نظرته إلى الحياة والناس.
مكانة زهير في الأدب العربي
زهير بن أبي سلمى رمز من رموز الحكمة والاعتدال في الشعر العربي القديم، كان شعره يتميّز بعمق المعاني وسلامة الأسلوب ووضوح اللغة، كما أنه كان شاعراً يتجنّب المبالغة أو الغلو، بل كان يتحدّث بصدق وموضوعية، احتل زهير مكانة مرموقة بين شعراء عصره، وكان يحظى باحترام وتقدير كبيرين من القبائل والزعماء، كما أن شعره استمر عبر العصور، حيث نقله الرواة ودوّن في الكتب الأدبية. وقد امتد تأثيره إلى عصر الإسلام، حيث كان يُعد واحداً من الشعراء الذين تمثّل شعرهم القيم الأخلاقية التي دعت إليها الديانات السماوية.
من أشهر أشعاره معلّقته التي تُعدّ من أروع ما قيل في الشعر العربي. ومما جاء فيها في الحكمة:
“وَمَن يَجعَلِ المَعروفَ مِن دونِ عِرضِهِ
يَفِرهُ، وَمَن لا يَتَّقِ الشَتمَ يُشتَمِ”
“وَمَن يَكُ ذا فضلٍ فَيَبخَل بِفَضلِهِ
على قَومِهِ يُستَغنَ عَنهُ وَيُذمَمِ”
تتميّز قصائد زهير بالوقار والرّزانة، وشعره مرآة لتجاربه وتأملاته في الحياة، وهو من أكثر الشعراء تقديراً في التراث العربي، كما يشكّل شعره محطّة فارقة في الشعر الجاهلي ومخزوناً عظيماً لكل روّاد الشعر العربي على امتداد العصور.
No Result
View All Result