No Result
View All Result
جوان عبدال
النقد في السيكولوجية النفسية
بالتأكيد إضافة إلى ما ذكر يجب ألَّا نغفل دور الذوق الخاص والغريزة /كما أسميناها بالسليقة قبل قليل/ أو الفطرة / والتأثير المكتسب بالخبرة والتجربة والثقافة المتداولة، والتي يتشكل منها النقد ويقيم، ليشذب في شجر كرمته وأعضائه المنفردة وما شابه ليدمجا معا وينموا باطراد، وهكذا بتوحيد الميول والمشارب وصهرها في بوتقة واحدة هي ثقافة المجتمع والوعي الجمعي على مستوى الفرد كان النقد على الدوام / المقص والبوتقة والسيف / المقص ليشذب به والبوتقة لصهره والسيف ليحارب به.
وكما لا يخفى وهذا ما ساعد النقد على الثبات أو على التغيير في محيط مجتمع ما دعاة إلى دعمه وإرساء ومبادئ أو بالعكس وبنقضه ومحاربته إيجاد البديل عنه، أو حتى محاربته لأجل محاربته ولا شيء آخر، فالذي يتواجد مع المقص أو البوتقة أو السيف.. أو يتمنى أن يجد من يلاعبه ويبارزه نقاطا عليه وهكذا كان الفعل ما له وما عليه في صيرورته ومدى ارتباطه بالروح والنزعة الفردية أو الجمعية واستنباطا منه لرد الفعل والقول كان النقد يلهث خلفه ويقيمه على هواه، لتدور في فلكه معايير ومفاهيم علمية جديرة بالاهتمام كالروح الفكرية والعقائدية والالتزام والنمطية الشعبية لموروثه لأن للنقد تأثيراً مباشراً تعليمياً وتربوياً على الأذواق وعلى النفوس من الناحية الأخلاقية والجمالية معا، لأن النقد كما يقول “يوري بوريف” “يعتبر شكلا من أشكال التحليل الاجتماعي للفرد و المجتمع” ويضيف: “صحيح أن على النقد أن يكون موضوعيا وليس معياريا، غير أن مسألة /المعايير/ ليست وحيدة المدلول” لذا ترانا نتناول النقد ونمارسه بكل أريحية لما له من جوانب إيجابية في تقييم وتسييس حياتنا نظاما وإمتاعا جماليا من حولنا تحت تأثير التفكير العقلي المجرد والمنطقي للأمور بدل النظرة السطحية، والرد العاطفية والمبادئ الأولية السهلة الحدث والتخمين، وليس التفكير المعقد والمركب فنمارس النقد الذاتي المونولوجي والنقد التعليمي والتربوي والنقد الجمالي، والنقد الثوري التمردي على الموجود وليسمح لنا التعبير باستخدام مصطلح (النقد الهدام لإعادة البناء) بروسترويكا وكما أنه باستطاعتنا إضافة بند جديد (النقد لأجل النقد) وما إلى هناك من أنشطة يمكن أن يرتع فيها النقد أنشطة بشرية متحالفة مع السليقة الإنسانية، لأن هذا مجاله وبيئته.
إن النقد في أحسن أحواله لا يثري ولا يغني المرء ما لم يكن عميقا ومتأنيا ذا غاية نبيلة شريفة، وقصداً مرجواً بالصدق والأمانة، أما أن يكون قولا على قول ويتحول ويتجاوز إلى السباب والاتهام والتجريح، والذي يصدر عادة عن رأي أهوج متسرع، وضيق أفق وحكم مسبق، وقصور في الرؤية، وضحالة في الحجة، ولابد أن ينزف النقد أو يلمح على الأقل للصواب، نظرا لما له من أفق واسع وصدر رحب ويرجو التقويم والإصلاح إلى جادة الصواب، إن أخطأ كما يزعم عادة، فالنقد هو مفهوم للتقييم والبناء وإعادة التشكيل وهو محاولة للتمييز بين التجارب وتقييمها، وعلى محك آخر فهل النقد معيب ومنقصة رغم ما له من إيجابيات أو سلبيات، وبغض النظر عن ذلك كيف يمكن علاج دائه والسيطرة على شواذه، ولأنه قد خرج عن محيط النخبة إلى مستويات أدنى ليتناوله من هب ودب، أو يتناوله ذو أنصاف العارفين، فالنقد كما المحنة سابقا يتبع العمل الإداري الحر أو حتى العمل الاعتباطي أيضا، ولكن بدرجة تشفيه. فالنقد لا حق للعمل والفعل حين قلنا “فما دام المرء يعمل فلابد أن يصيب أو أن يخطئ” وهما في الميزان المعياري الأخلاقي واحد حيث تصدر عن قناعة متواجدة شعورية وإنسانية أما أن تكون مبتكرا خلاقا أو خلافه /دون تطويل في الكلام/ حينها يقف المرء أمام قوله وردة الفعل المضادة بالسوية نفسها، وتلك الحفلة الأخلاقية النبيلة لتقبله برحابة صدر، وتروي للاستفادة من تجربة سابقة، فالنقد البناء يكون هكذا. دون تجريح بتقديمه الدلائل والطرائف للسوية الإيجابية.. ويكون تقبله يتطور في نهجه ونجاعته ودياليكتيكه، ومن حق النقد والنقد المضاد إرساء مبادئ قويمة يحتذى بها في أوانها، ومن خصلة أخلاقية للنفس البشرية تقبل النقد دون امتعاض، لما له من هالة قمعية وسطوة تكذيبية للوهلة الأولى، حين يحس المرء المنتقد بحيرة الرد، وهو الذي لا يتوقع ذلك كمن رش بماء بارد، وهو لا يزال يحتفظ ببسمة مرتسمة على شفتيه من جراء قوله، الذي يؤمن به، وما حدا به لقوله ذلك، والتعويل عليه مفخرة وتعظيما أمام نفسه وذاته اللاواعية، ويتوقع قبوله وليس رفضه ورده على أعقابه، وإلا لو علم مسبقا بذلك الرد لما تفوه بما تفوه، ولأمسك عن قوله ذلك ألف مرة قبل أن يطلقه بحسن نية، وروح خيرة ورؤى نيرة، والحوار فيه قدر المستطاع، فتخف همته، وثوريته الرمزية.
فيحس بالتجريح والإهانة والصغر لأن سيكيولوجيا النفس تنكسر فيه أعمدة زجاجية ويتسرب الماء والريح الهوجاء وتخترقها، فيبدأ بدفاع أعمى مغالطا الحقائق ويبدأ بسن وشحذ سكاكينه وسهامه، يتمترس ويتخندق ويتهجم ليرد عن نفسه المكائد.
وهكذا فالرد عليه طبيعي ليتوالف أمام ذاته من جديد ويؤكد صحة منطقه وصواب رأيه، ويتوالف مع الحالة الشعورية الطارئة بانفعال وتهور لا يخلو من ردة ولكن تطوره وتصوره يأخذ منحى آخر مختلفاً، يكون في تشويه الحقائق والتشفي من أمور جانبية والغضب والزعل رمز يرفع لواءه وإعلامه بسبب خلل نفسي.
وقد وصل الأمر بـ (بليخانوف 1856 -1928) ليقول: “النقد الأدبي والفني هو تحليل اجتماعي وأيديولوجي في المقام الأول، يهدف إلى ربط الأعمال الفنية بالبنية التحتية الاقتصادية والصراع الطبقي. ويرفض بليخانوف النقد المثالي، ويؤكد على ضرورة تفسير الفن من خلال البيئة الاجتماعية والظروف التاريخية التي أنتجته، رابطاً بين القيمة الجمالية والموقف الأيديولوجي”.
ولكن السؤال المطروح الآن إلى أين مدى يمكن ذلك، على أي أرضية يمارس نشاطه، وقد نستشهد مرة أخرى بـ (يوري بوريفي) حيث يقول: “إن النظرية للنقد، والنقد المسلح بالنظرية والمرتفع إلى المستوى الفكري هذه هي منظومة التفاعلات الخلاقة المبدعة” أي يدعونا إلى التفريق بين الشكل والمضمون نقديا (المعرفة 934-ص139) وما للنظرية من سلوكية جمالية لتفهم روح النقد.
كما أكد الشاعر بوشكين على مثل هذا “فما ينتج عن ذلك؟ استبدال المناقب الهامة الجوهرية باحتيالات أقل نجاحا: كالتنديد بالسابقين، وطرافة الآراء وجدتها، وتكييف المفاهيم الدارجة مع الموارد المعروفة من زمن بعيد وما شابه ذلك أن مثل هذه الوسائل – والتي يمكنا أن ندعوها دجلا وشعوذة إلى حد ما – لتدفع العلم الى الأمام ولو خطوة واحدة، وتنزع بذور الشك والنفي في عقول غير الناضجين والضعفاء، وهذا ما يورده (يوري بوريف) ومن ثم يشير إلى “أن النقد الجديد الإنكليزي. قد طرح مبدأ القراءة اليقظة، والمطالعة المتمعنة” بينما لوكاتش يدعو في النقد إلى أسلوب سياسي جمالي ويرفض المذهب الجمالي الخالص من جهة، والنقد الجماهيري /بمعنى المبتذل/ من جهة أخرى.
الأنماط السلبية من النقد والناقد
فهل من صحيح التعميم على ما هو سائد أم أن عشب الدار مر، وأن نستخف من باب أبسط الأشياء الاستخفاف والانتقاص بالنقد، لا غير، فأي مشروعية له، وأي أسباب موضوعية أو ذاتية يـتكئ عليها وينطلق منه فيفتعل هذه الرائحة الراكدة، ويثير هذا الغبار كله فبأي مزاجية وأي سلوك يمارس طقوسه، يمكن أن نلخص أربعة أو خمسة حالات نقول فيها:
ـ من الملاحظ أن الناقد أو النقد هنا يمكن أن نفهمهما كصيغة واحدة لأن أحدهما صادر عن الآخر ولا ينفصلان في طرحها عن بعضها – عادة يكون على عمل مسبوق كما قلنا قبلا والمتناول من الموضوع ليس من منطلق التعاطف أو التصادم مع العمل أو المادة المسبوقة، والفكرة المطروحة للبحث عادة، إلا في حالة واحدة في العمل السياسي حيث التحزب له الأفضلية ولو باطلا وتجافيا على الحق، بالتأكيد لا ننكر وبهذا لا نرمي على أنه لا ينتقد، أي لا ينتقد من طرف أعضائه بل ينتقد بضرورة من الطرف الآخر..
ـ وللنقد والناقد مزاجية تكونية لتناوله لمواضيع، أشبه ما تكون عدائية في بعض جوانبه، وإن كانت مفسرة خلف أطر وأطروحات جاهزة لا تظهر إلا في تناولها وأفكار واعية منها تطفو على السطح معها وفي المرحلة التالية في النقد أما مع أو ضد.
ـ لاعبو الإثارة والذين يحبون أن يصطادوا في الماء العكر ويثيروا الغبار خلفهم أو من أمامهم كل همهم ينحصر في أن يثيروا هذا على ذلك، ويغالطوا في الحقائق وأن يكيلوا بمكاييل عدة وانتقائية مفضوحة.
ـ محبو الظهور من الناقد على صهوة جواد أعرج كالنقد ليجلسوا حضورا على الأقل بالتأكيد على أكتاف بعض العمل، والمواد والأشخاص المهمين بين فترة وأخرى ليطلوا على الساحة ليدعوا أو يثبتوا وجودهم.
ـ ناقد مشتت لا يعرف الباب من المحراب انتهاءً بنقد لأجل النقد أو الكلام لأجل الكلام والتفلسف في الموضوع بعيدا عن المناهج والمدارس، ويمكننا أن نطلق عليه (الديماغوجي) أن للنقد فعالية لا تختصر على القول والفعل لمجرد النقد فقط بل يتعداه إلى استنباط قيم وأحكام ومناهج متعال، للتحليل والبحث والدراسة مواز للتجربة والخبرة حيث يبدأ التناول بالتقديم تحليلا وتفسيرا إلى استنتاج، وهو حصيلة التحليل والتفسير إلى إصدار حكم عام ومفهوم ونهج مدروس للطرح المثار، وتعريفا للكم والكل. أقرب للنظرية الثابتة والقاعدة العامة، ولأن النقد ينطلق عادة في ممارسته الفكر الوعي المجرد والذهني المجرب والمكتسب من الشعور والمعرفة والإدراك، وكذلك من تحديات الروح والفكر في الحياة بكل ما فيها من أنشطة وفعاليات النشاط البشري.
No Result
View All Result