إسحاق الشعير
في الشرق الأوسط، لا يُقاس الزمن بالسنوات، بل بالأحداث، وأحياناً تكفي بضعة أسابيع فقط كي تنقلب روايات كاملة رأساً على عقب، وتتكشف الفجوة الهائلة بين السياسة الحقيقية وبين الضجيج الذي يصنعه بعض من يطلقون على أنفسهم لقب “محللين سياسيين”.
منذ أسابيع قليلة فقط، انطلقت حملة إعلامية شرسة ضد تجربة الكرد في شمال وشرق سوريا. حملة منظمة في بعض جوانبها، وانفعالية في جوانب أخرى، استهدفت تشويه صورة المشروع السياسي الذي بنته القوى الكردية هناك بعد سنوات طويلة من النضال، ولم تقتصر تلك الحملة على الخصوم التقليديين للمشروع، بل شارك فيها أيضاً طيف واسع من المعلقين على وسائل التواصل الافتراضي وبعض الوجوه الإعلامية التي سارعت إلى إصدار الأحكام النهائية، وكأنها تقرأ نصاً محفوظاً سلفاً.
كانت الاتهامات جاهزة، والتحليلات سريعة، واللغة قاطعة: فشل سياسي، ارتباك استراتيجي، نهاية مشروع، هكذا تحدثوا بثقة مذهلة، بل بغرور واضح، وكأن السياسة لعبة بسيطة يمكن اختزالها في منشور فيسبوك أو مداخلة تلفزيونية.
لكن السياسة – في حقيقتها – ليست هذا المسرح الصاخب من التوقعات السريعة. السياسة علم معقد، وتراكم طويل من الخبرة، وفن إدارة اللحظة التاريخية في ظلِّ ظروفٍ متغيرة باستمرار.
وخلال فترة قصيرة نسبياً، بدأت الوقائع تتكشف، لِتُظهر أن كثيراً من تلك التحليلات لم تكن سوى قراءة سطحية لأحداث أكبر بكثير من قدرة أصحابها على فهمها.
إحدى المحطات المفصلية في هذا السياق كانت إعادة التموضع التي قامت بها قوات سوريا الديمقراطية، حين انسحبت من مناطق غرب الفرات وبعض مناطق شرقه، وأعادت تمركزها في مناطقها الأساسية في الشمال السوري. يومها، امتلأت مواقع التواصل الافتراضي بالحديث عن “الهزيمة” و”الانهيار” و”نهاية المشروع”. لكن؛ ما لم يفهمه كثيرون آنذاك هو أن السياسة ليست حركة عسكرية لحظية، بل إدارة استراتيجية للمصالح على المدى الطويل. إعادة التموضع تلك لم تكن تعبيراً عن ضعف، بل كانت خطوةً محسوبة ضمن عملية إعادة ترتيب للأولويات في ظل تحولات إقليمية كانت تتشكل بهدوء في خلفية المشهد.
لقد اختارت القوى الكردية أن تحصّن جغرافيتها السياسية الأساسية، وأن تركز على تثبيت نموذج الإدارة الذاتية في مناطقها، بدلاً من التمدد في مساحات قد تتحول إلى عبءٍ استراتيجي في لحظة إقليمية شديدة التعقيد. واليوم، بعد أسابيع قليلة فقط، بدأت الصورة الحقيقية تظهر بوضوح أكبر. فالحوارات الجارية مع الحكومة المؤقتة في دمشق لم تعد مجرد احتمالات بعيدة كما كان يروّج البعض، بل أصبحت مساراً سياسياً واقعياً يتقدم تدريجياً. وتشير المعطيات إلى أن الطرفين يسيران نحو صيغة اندماج سياسي وإداري تفتح الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقة بين الحكومة المؤقتة ومناطق الإدارة الذاتية.
إن هذا المسار، رغم بطئه، يحمل مؤشرات مهمة على إمكانية بناء نموذج مختلف لإدارة سوريا، نموذج يقوم على الاعتراف بالتعددية وعلى إدماج الهياكل السياسية والإدارية القائمة ضمن إطار دولة أكثر مرونة. وفي الوقت نفسه، كانت المنطقة بأكملها تتحرك على وقع تحولات أكبر، فالتصعيد الإقليمي المتسارع، والحرب التي تتعرض لها إيران، أدخلا الشرق الأوسط في مرحلةٍ جديدة من إعادة رسم موازين القوى.
ومع اقتراب إيران من لحظة حرجة، بدأت الحسابات الدولية تتغير بشكلٍ ملحوظ. وهنا عاد العامل الكردي ليظهر مرةً أخرى كأحد العناصر الأساسية في المعادلة الإقليمية.
لم يكن من قُبيل الصدفة أن تتكرر في الآونة الأخيرة الطلبات والرسائل من التحالف الدولي للقوى الكردية في شرق كردستان وجنوبه، مطالبةً إياها بلعب دور أكبر في مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة في المنطقة، فالقوى التي أثبتت قدرتها على التنظيم والاستقرار في شمال سوريا أصبحت اليوم طرفاً لا يمكن تجاهله في أي معادلة أمنية إقليمية.
مبادرة السابع والعشرين من شباط التي طرحها المفكر عبد الله أوجلان في تركيا، والتي حملت دعوةً واضحة لإحياء مسار السلام والحل السياسي للقضية الكردية هناك. تلك المبادرة لم تكن حدثاً معزولاً، بل جاءت في لحظةٍ إقليمية حساسة، وكأنها تشير إلى أن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة قد تتغير فيها طبيعة الصراعات القائمة منذ عقود.
وعندما ننظر إلى هذه الأحداث مجتمعة – إعادة التموضع في سوريا، مسار التفاهم مع دمشق، التحولات الإقليمية المرتبطة بإيران، الدور المتصاعد للقوى الكردية، ومبادرة السلام في تركيا – نُدرك أن ما يجري ليس سلسلة مصادفات، بل جزء من لوحة سياسية معقدة يعاد رسمها ببطء ولكن بثبات. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين السياسة الحقيقية وبين التحليل الاستعراضي الذي يغرق في الانفعالات. فبينما كان بعض “المحللين” يتسابقون إلى إعلان نهاية المشروع الكردي في شمال سوريا، كانت الوقائع على الأرض تتحرك في اتجاهٍ معاكس تماماً.
وبينما كان آخرون يشنون حملات تشويه ضد شخصيات سياسية لعبت دوراً محورياً في بناء هذه التجربة، كانت الأحداث تُثبت أن السياسة تُدار بعقولٍ باردة لا بضجيج المنصات. البعض من الشخصيات /المعروفة/ التي تعرضت لحملات واسعة من التشويه والاتهامات تحوّلت خلال تلك الحملة إلى هدف سهل لكل من أراد تسجيل موقف إعلامي سريع.
ليس من عادتي في الكتابة أن أهاجم الأشخاص، ولا أن أستخدم لغة حادة في النقاش السياسي، لكن ما جرى خلال الفترة الماضية يدفعني إلى القول بوضوح إن كثيراً من تلك الحملات لم تكن سوى تعبير عن جهل سياسي مغلف بثقة زائفة. واليوم، بعد أن بدأت الوقائع تتكشف، نرى مشهداً مختلفاً تماماً: صمت واضح من كثير من الأصوات التي كانت بالأمس تملأ الفضاء الإعلامي صخباً وتحليلاً. ربما لأن الواقع كان أكثر تعقيداً من توقعاتهم السريعة، وربما لأن السياسة – مرةً أخرى – أثبتت إنها ليست مهنة من لا مهنة له.
إن الدرس الذي ينبغي استخلاصه من هذه اللحظة ليس متعلقاً بالكرد وحدهم، بل بطبيعة السياسة نفسها في هذه المنطقة المضطربة. فالسياسة ليست منشوراً على وسائل التواصل الافتراضي، وليست تعليقاً عابراً في برنامج تلفزيوني. السياسة مسؤولية تاريخية، وصبر طويل، وقدرة على قراءة التحولات قبل أن تصبح عناوين في الأخبار.
أما أولئك الذين يخلطون بين الضجيج والمعرفة، وبين الرأي السريع والتحليل العميق، فإن الزمن – كما حدث هذه المرة أيضاً – كفيل بوضعهم في مكانهم الحقيقي. وفي النهاية، يبقى الواقع هو الحكم الوحيد في السياسة.
والواقع اليوم يقول بوضوح: إن الذين صبروا وبنوا مشروعهم بهدوء، كانوا يفكرون أبعد بكثير من ضجيج اللحظة.