آلان عتة (صحفي)
يشهد الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التحولات الجيوسياسية المتسارعة، في ظل اشتداد التنافس بين القوى الإقليمية والدولية على النفوذ والموارد الاستراتيجية، ولا سيما الطاقة والممرات الجيوسياسية الحيوية. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، غالباً ما تصبح القوى المحلية جزءاً من معادلات أكبر تتحكم بها المصالح الاستراتيجية للدول أكثر مما تتحكم بها المبادئ أو الاعتبارات الأخلاقية.
ضمن هذا السياق المعقد، يبرز الدور الكردي كأحد العوامل المؤثرة في توازنات الاستقرار والصراع في عدد من مناطق الشرق الأوسط، خصوصاً في سوريا والعراق. غير أن هذا الدور، رغم أهميته الميدانية والسياسية، ظل في كثير من الأحيان عرضة للتوظيف ضمن استراتيجيات القوى الكبرى، دون أن يتحول بالضرورة إلى مكاسب سياسية مستدامة للشعب الكردي.
تحالفات متغيرة ومصالح ثابتة
تتسم البيئة الإقليمية في الشرق الأوسط بتشابك معقد من العلاقات والتحالفات التي تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية. ومن بين الأمثلة البارزة على ذلك شبكة العلاقات المتنامية بين إسرائيل وأذربيجان وتركيا، والتي تمثل أحد نماذج التعاون الإقليمي في مجالات الطاقة والأمن.
تُعد أذربيجان من أبرز موردي الطاقة لإسرائيل، فيما يشهد التعاون العسكري والأمني بين الطرفين تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة. وفي الوقت ذاته تلعب تركيا دوراً محورياً في هذه المعادلة بحكم موقعها الجيوسياسي وعضويتها في حلف شمال الأطلسي، إضافةً إلى علاقاتها السياسية والاقتصادية الوثيقة مع كل من باكو وتل أبيب.
تكشف هذه الشبكة من التحالفات طبيعة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، حيث تُبنى العلاقات غالباً على أساس المصالح الاستراتيجية لا على أساس دعم حقوق الشعوب أو تحقيق العدالة السياسية. وهو السياق ذاته الذي يحدد في كثير من الأحيان طبيعة تعامل القوى الدولية مع الفاعلين المحليين، ومن بينهم القوى الكردية.
الكُرد بين الشراكة الميدانية والغياب السياسي
تاريخياً، وجد الكرد أنفسهم في قلب عدد من الصراعات الإقليمية، سواء بسبب موقعهم الجغرافي أو نتيجة لدورهم العسكري في محطات مفصلية من تاريخ المنطقة، وغالباً ما جرى التعامل مع القوى الكردية بوصفها شريكاً ميدانياً يمكن الاستفادة منه في تحقيق أهداف مرحلية، خصوصاً في سياق مكافحة التنظيمات المتطرفة أو موازنة نفوذ بعض القوى الإقليمية.
تُعدُّ الحرب ضد داعش مثالاً واضحاً على هذا النمط من العلاقات. فقد لعبت القوات الكردية دوراً حاسماً في العمليات العسكرية التي أدت إلى هزيمة داعش في أجزاءٍ واسعة من سوريا والعراق، وكان لهذا الدور أثراً مباشراً في إعادة رسم الخريطة الأمنية في المنطقة.
غير أن هذا الحضور العسكري الفاعل لم يتحول بعد انتهاء الحرب إلى ترتيبات سياسية واضحة تضمن حقوق الكرد أو تعزز موقعهم في المعادلات الإقليمية. وتعكس هذه التجربة نمطاً متكرراً في سياسات القوى الكبرى في الشرق الأوسط: الاعتماد على الفاعلين المحليين في المراحل العسكرية من الصراع، ثم إدارة التسويات السياسية وفق اعتبارات أوسع تتعلق بتوازنات القوى الدولية والإقليمية.
تحديات داخلية وبيئة إقليمية معقدة
لا تقتصر التحديات التي تواجه المشروع السياسي الكردي على طبيعة العلاقات الدولية فحسب، بل تمتد أيضاً إلى عوامل داخلية وإقليمية متعددة. فعلى الصعيد الداخلي، ما تزال الانقسامات السياسية بين القوى الكردية في أكثر من ساحة جغرافية تشكل أحد أبرز العوامل التي تُضعف القدرة على صياغة موقف سياسي موحد قادر على التعامل مع التحولات الإقليمية. كما أن الاعتماد المفرط على دعم بعض القوى الدولية، دون وجود ضمانات سياسية واضحة، قد يؤدي إلى تكرار تجارب سابقة تغيرت فيها مواقف هذه القوى مع تغير أولوياتها الاستراتيجية.
أما على الصعيد الإقليمي، فإن أي تقدم سياسي للكرد غالباً ما يُنظر إليه من قبل بعض الدول في المنطقة باعتباره تهديداً لمصالحها الأمنية أو لوحدة أراضيها، الأمر الذي يزيد من تعقيد البيئة السياسية المحيطة بالقضية الكردية.
نحو استراتيجية أكثر واقعية
في ضوء هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى تطوير استراتيجية كردية أكثر توازناً وواقعية قادرة على التعامل مع تعقيدات البيئة الجيوسياسية في الشرق الأوسط. ويبدأ ذلك بتعزيز الوحدة السياسية بين القوى الكردية، بما يسمح ببناء موقف تفاوضي أكثر قوة في مواجهة التحولات الإقليمية. كما يتطلب الأمر تطوير العمل الدبلوماسي وبناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، بحيث لا يصبح القرار السياسي الكردي مرتبطاً بمحور واحد أو رهينة لتقلبات السياسة الدولية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يرتبط أي دور عسكري للقوى الكردية في الصراعات الإقليمية بتحقيق مكاسب سياسية واضحة، وأن يكون جزءاً من رؤية استراتيجية شاملة تهدف إلى حماية الحقوق السياسية للشعب الكردي على المدى الطويل.
ما بعد الدور العسكري
تشير التحولات الجارية في الشرق الأوسط إلى أن المنطقة مُقبلة على مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، يصبح امتلاك رؤية سياسية استراتيجية أكثر أهمية من أي وقت مضى.
بالنسبة للشعب الكردي، لا يكمن التحدي الأساسي في الحفاظ على حضوره العسكري أو السياسي في المنطقة فحسب، بل في القدرة على تحويل هذا الحضور إلى مشروع سياسي مستدام يضمن الحقوق والتمثيل السياسي ضمن معادلات الشرق الأوسط الجديدة.
ففي الشرق الأوسط، لا يكفي الانتصار في المعارك العسكرية. التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الانتصارات إلى مكاسب سياسية دائمة.