أفضل ما نقوم به في هذه الأوقات نحن السوريين والكرد؛ أن ندرك أن الحل لن يكون إلا ديمقراطياً، الحل الذي يضمن عدم التكرار في الأزمات؛ أن ننظر إلى أمسنا غير البعيد ونرى الكيفية التي اجتمعنا فيها في سوريا، أن نحرص على سرد حقيقي للحكاية السورية.
فبعد أن استطاع الحلفاء وخاصة الإنكليز من طرد العثمانيين من سوريا، تم تأسيس إدارة عربية في دمشق وتم تسليمها للأمير فيصل بن الحسين في الفترة ما بين أيلول 1918 وحتى تموز 1920، حيث أعلن نفسه ملكاً على سوريا في المؤتمر السوري، الذي وضع دستوراً فيدرالياً للمملكة السورية. ولكن؛ وبموجب الاتفاقات التي وقعها الحلفاء، تم وضع سوريا تحت الانتداب الفرنسي، وتم القضاء على مطمح المملكة السورية، وعندما تسلم الجنرال غورو، قيادة القوات الفرنسية، والمفوضية السامية الفرنسية في الشرق، اطلع على خريطة سوريا الديموغرافية، التي لم تكن الجزيرة الفراتية أي (الحسكة؛ الرقة؛ دير الزور) ضمن إقليم سوريا حسب هذه الخريطة، وقد اتضح له أن سكان سوريا ذو تعددية قومية ودينية. فقرر تأسيس نظام شبيه بالنظام السياسي السويسري (فيدراليات اتحادية)، مراعاة للخصوصية القومية، والدينية، والمناطقية، بصيغة تخدم وجود الفرنسي في المنطقة (ب) بحسب اتفاقية سايكس بيكو، فأسس عدة دول، دولة لبنان، ودولة جبل الدروز، ودولة جبل العلويين، ودولة دمشق، ودولة حلب، وحكم ذاتي في إسكندرون، علما بأن تعداد سكان سوريا، وقتها في ذلك الوقت بحدود 1.200000 نسمة.
عند تشكل هذه الدول، كانت فقط منطقة جبال الأكراد (عفرين)، من المناطق الجغرافية الكردية، داخل حدود السيطرة الفرنسية، فضلا عن الأحياء في حلب، والقرى الكردية التابعة لهذه المدينة، ولضم حوض الفرات والجزيرة إلى منطقة الانتداب المتفق عليها مع البريطانيين، شكل الجنرال غورو قوة من الكرد (الاتفاقية موقعة في 31 يناير1921، مع ما تبقى من الألوية الحميدية التي كانت تحت إمرة المليين) وفخذ من عشيرة العنزة (بزعامة مجحم) وسرية من السريان.
واستطاعت هذه القوة المشتركة ضم حوض الفرات (الجزيرة) إلى منطقة الانتداب التابعة لدولة حلب، في الوقت الذي دخلت فرنسا في مفاوضات مع الكماليين، وتنازلت عن بعض المناطق (كلس وعينتاب وأورفة)، لقاء التوصل إلى اتفاقية وقف إطلاق النار في 11 آذار 1921؛ لكن الكماليين كانوا يسعون لاستعادة سيطرتهم على الشمال السوري.
توصل الفرنسيون والكماليون إلى اتفاقية الحدود في 20 تشرين الأول 1921، وهذه هي الاتفاقية الأولى لترسيم الحدود بين سوريا وتركيا الحديثتين، لكن تركيا رفضت الانسحاب من الجزيرة، رغم اتفاقية الصداقة وحسن الجوار التي وقعت في 22حزيران 1926، بقيت منطقة الجزيرة السورية، التي هي عريضة من الغرب وتضيق في الشرق، تدار من العشائر الكردية حتى اتفاقية الحدود الموقعة في 1929، علماً بأن عمليات تحديد الحدود استمرت حتى 1937.
بعد مغادرة غورو، واستلام مكسيم فيغان، المفوضية السامية، تم في عام 1922 تشكيل فيدرالية الدول السورية، من حلب ودمشق، وجبل العلويين، ولحسم الخلاف الكبير بخصوص تحديد العاصمة الاتحادية، وتم الاتفاق أن تكون بالتناوب بين حلب ودمشق، وفي الخامس من كانون الثاني 1924 تم إلغاء الاتحاد السوري، وإنشاء (الدولة السورية)، من دولتي حلب ودمشق، اعتباراً من اليوم الأول من عام 1925، بينما بقت دول العلويين، والدروز، وإسكندرون خارج سوريا حتى العام 1943.
رغم أن الكرد طالبوا منذ 1924 بإنشاء دولة كردية، على غرار ما تشكل في المناطق السورية الأخرى، لكن تركيا، وبريطانيا، كانتا تمنعان ذلك، وألغتا اتفاقية سيفر 1920، وعرقلتا توجه إعطاء أية حقوق قومية لهم في مناطقهم، وكانتا تساندان الشخصيات القوموية السنية، المتنفذة وقتها، وبعض حلفائها بهدف إلغاء النموذج اللامركزي في الحكم والإدارة، وتقليص السلطات المحلية، والتوجه نحو المركزية، بدرجات متفاوتة بالذي جرى في دستور عام 1930، وإفضائه لمركزية شديدة.