No Result
View All Result
أمضى سنوات عمره بعيداً عن تعلّم لغته الأم بسبب القيود التي حالت دون ذلك، ولكنه عاد في سن متقدمة ليطرق أبواب الحرف الكردي بإصرار، محولاً شغفه القديم إلى رحلة تعلّم ذاتي أعادت إليه صوته الثقافي، داعياً الجميع بتعلم لغتهم الأم.
في قرية تل شعير (تير شير – أي الغنية بالحليب)، إحدى أجمل قرى منطقة سنجق التابعة لمدينة تربه سبي، وتبعد عنها نحو 12 كيلومتراً شمال غرب، وتقع جنوب جبل باكوك، وتحيط بها سهول خصبة قليلة التموج يخترقها نهر قرجا من الشمال إلى الجنوب، وتشتهر بتلّها الأثري القديم الذي يحتضن بيوت القرية.
قرية تل شعير.. تاريخ وحضارة
هذه القرية المأهولة منذ القدم كانت منبراً للثقافة والأحزاب الكردية خلال القرن الماضي، وشهدت بناء أول مدرسة للبنين والبنات عام 1950 على يد الشاعر الكردي المعروف أحمدي نامي، قبل أن يقيم فيها الشاعر الكردي “جكر خوين”، ويتخذها نقطة انطلاق نحو بقية أجزاء كردستان.
ويمتد تاريخ حضارة التل الأثري في تل شعير إلى حضارة حسونا (نحو 6000 سنة قبل الميلاد)، التي يؤكد علماء الآثار أنها نشأت في المنطقة الواقعة بين حلب وآمد والموصل، استناداً إلى قطع فخارية عُثر عليها في تل القرية وتل خزنة الأثري، تحمل رسومات لطيور الحسون.
سيرة رجل مسن
ووسط هذا الإرث التاريخي والثقافي، تبرز قصة “فوزي سليمان أوسي” (77 عاماً)، أحد أبناء القرية الذي درس حتى المرحلة الإعدادية في المدرسة الدينية ببلدة حلوة، وتعلّم اللغتين العربية والإنجليزية، لكن لغته الأم بقيت حسرة في قلبه، إذ لم تتح له فرصة تعلمها.
في طفولته التقى أوسي الشاعر الكردي الكبير “جكر خوين”، الذي استقر في تل شعير أثناء متابعته دراسته الدينية لدى الشيخ عبيد الله ثم الإمام فتح الله، حيث حصل على إجازته الشرعية في العلوم الدينية (الملا)، ومنذ ذلك اللقاء، نما في داخل فوزي أوسي حلم امتلاك مفاتيح لغته، أن يقرأ بالكردية ويكتب بها، وأن يجعل الحرف بيتاً للهوية وصوتاً للذاكرة.
غير أن حظر تعليم اللغة الكردية خلال حكم النظام البعثي، وملاحقة كل من يحمل نصاً مكتوباً بها، حال دون تحقيق هذا الحلم، ولم تتغير الظروف إلا بعد انطلاق ثورة 19 تموز 2012 في روج آفا، حين وجد “أوسي” الفرصة أخيراً ليبدأ رحلته مع لغته الأم.
وبجهوده الذاتية، وبعد سنوات طويلة من السعي، تعلّم القراءة والكتابة باللغة الكردية دون معلم، معتمداً على كتب تعليم اللغة للمستويين الأول والثاني، وتمكن خلال عدة أعوام من إتقانها.
وما إن أتقن “أوسي” القراءة والكتابة حتى انغمس في قراءة أشعار جكر خوين، وبدأ بتدوين كل قصيدة أعجب بها في دفتره الخاص، ليجمع مقتطفات منها في كتاب.
ويقول “أوسي”، إن ضعف بصره شكّل تحدياً في قراءة الأشعار الأولى: “احتاج الأمر مني جهداً كبيراً”، لكن الصعوبات لم تكن عائقاً أمام عزيمته، إذ ظل شغفه ينمو مع كل كلمة يقرأها. ومن أوائل الأشعار التي دوّنها من ديوان جكر خوين:
“Yar ku ne mêvanê te be – “ma tê bi mizgînê çikê” – “daye ne rêzanê te bê ma tê bi dûrbînê çikê”.
وأكد “أوسي”، أنه سيواصل قراءة جميع الدواوين وتدوين القصائد التي تخطف قلبه، في سبيل تطوير كتابته وقراءته.
ودعا أوسي أبناء الشعب الكردي إلى تعلم اللغة الأم وإتقانها، معتبراً أن ذلك واجب على كل فرد: “إذا لم يقرأ الكردي بلغته الأم، ولم يكتب بها، فإن كرديته تبقى ناقصة، مثل جندي يذهب إلى المعركة ولا يعرف كيف يستخدم سلاحه، لذلك علينا قبل كل شيء أن نتقن لغتنا الأم”.
واختتم “فوزي سليمان أوسي” حديثه بالتعبير عن أمله في وحدة الكرد، موجهاً نداءً لكل فرد وكل أسرة بأن يحرصوا على تعليم أنفسهم وأطفالهم القراءة والكتابة بلغتهم الأم، لتبقى اللغة جسراً للهوية والذاكرة عبر الأجيال.
وكالة هاوار للأنباء
No Result
View All Result