لم يعُد الإنسان في عصرنا يُقاس بأخلاقه، أو بعلمه، بل أصبح يُقاس بمدى انشغاله، فإذا سألت أحدهم: “كيف حالك؟” كان الجواب الأكثر شيوعًا: “مشغول جدًا”، وكأنّ الانشغال أصبح وسامًا، والراحة دليلًا على الكسل، والإنتاجية المفرطة معيارًا للنجاح.
لقد خلق العصر الحديث ثقافةً جديدة تُقدّس الإنجاز المستمر، وتُشعر الإنسان بالذنب كلّما توقّف قليلًا ليلتقط أنفاسه، فصرنا نرى آلاف المقاطع التي تخبرنا كيف نستيقظ في الخامسة صباحًا، وكيف نقرأ خمسين كتابًا في السنة، ونعمل ثماني عشرة ساعة يوميًا، ونمارس الرياضة، ونتعلّم لغةً جديدة، ونبني مشروعًا خاصًا… كل ذلك في أربعٍ وعشرين ساعة فقط. وكأنّ الإنسان آلة لا تتعب، ولا تملّ، ولا تحتاج إلى لحظة صمت.
عندما تصبح الراحة مصدرًا للشعور بالذنب
كم مرّة جلست لتشاهد فيلمًا أو لتقرأ كتابًا من أجل المتعة، ثم باغتك صوتٌ داخلي يقول: “أنت تضيع وقتك… كان بإمكانك أن تعمل أكثر”. هذا الصوت لم يولد معنا، بل صنعته ثقافةٌ تُقنعنا بأنّ قيمة الإنسان مرتبطة بحجم إنتاجه، لا بإنسانيته. حتى النوم أصبح عند البعض عدوًا للإنتاجية، وأصبحت الراحة تُؤجَّل باستمرار بحجّة أنّ هناك أهدافًا يجب تحقيقها، ورسائل يجب الردّ عليها، وأعمالًا لا تنتهي. وهكذا يعيش الإنسان في سباقٍ دائم، حتى وهو متعب.
المقارنة… الوقود الخفي لهوس الإنتاجية
وتضاعف هذا الهوس مع انتشار وسائل التواصل الافتراضي، فكل يوم نرى شخصًا يعلن إطلاق مشروعه الجديد، وآخر يحتفل بتخرّجه، وثالثًا يسافر، ورابعًا يشارك إنجازاته الرياضية أو المالية. ومع تكرار هذه المشاهد، يبدأ الإنسان بالشعور أنّه متأخر عن الجميع، وأنّ عليه أن يعمل أكثر، ويتعب أكثر، ويضغط على نفسه أكثر، حتى يلحق بالآخرين. لكن؛ ما لا نراه هو التعب، والفشل، والقلق، والليالي الطويلة التي لا ينشرها أحد. فنحن لا نقارن حياتنا بحياة الآخرين، بل نقارن واقعنا الكامل بأفضل لحظاتهم المختارة.
النجاح ليس سباقًا
فالمشكلة ليست في الطموح، فالطموح جميل، والعمل قيمة عظيمة، والسعي نحو تحقيق الأحلام أمرٌ يستحق الاحترام. لكن؛ المشكلة تبدأ عندما يتحوّل الطموح إلى استنزاف، وعندما يصبح الإنجاز غايةً في حدّ ذاته، لا وسيلةً لبناء حياة أفضل. فما فائدة النجاح إذا فقد الإنسان صحته؟
وما قيمة الإنجازات إذا خسر علاقاته، أو عاش سنواته كلّها وهو يؤجّل الحياة إلى إشعارٍ آخر؟
لقد أصبح كثيرون يؤجّلون الراحة حتى ينهوا العمل، ثم يؤجّلون السفر حتى تتحسن الظروف، ويؤجّلون لقاء الأصدقاء حتى ينتهوا من مشاريعهم، ثم يكتشفون أنّ الحياة نفسها كانت تمضي بينما كانوا يستعدّون لعيشها.
لسنا آلات
للإنسان حدود، يحتاج إلى النوم، وإلى الضحك، وإلى الفراغ، وإلى الجلوس مع من يحب، وإلى لحظاتٍ لا يفعل فيها شيئًا على الإطلاق، فالراحة ليست عدوّة النجاح، بل شرطٌ لاستمراره، والعقل الذي لا يحصل على فرصةٍ لالتقاط أنفاسه، لن يستطيع أن يُبدع مهما حاول حتى الطبيعة نفسها تُعلّمنا ذلك؛ فالأرض تحتاج إلى مواسم للإنبات، كما تحتاج إلى مواسم للسكون، والقلب لا يستطيع أن ينبض لو لم يتناوب الانقباض والانبساط. فلماذا نطلب من الإنسان أن يعمل بلا توقّف؟
النجاح الحقيقي
ربما لا يكون الإنسان الناجح هو من يملأ يومه بالمهام، بل من يعرف متى يعمل، ومتى يستريح، ومتى يُغلق حاسوبه، ويجلس مع عائلته، أو يقرأ كتابًا، أو يتمشّى دون أن يشعر أنّه يرتكب خطيئة؛ فالنجاح الحقيقي لا يعني أن تستهلك نفسك حتى آخر قطرة، بل أن تبني حياةً تستطيع الاستمرار فيها دون أن تخسر صحتك، أو سلامك النفسي، أو الأشخاص الذين تحبهم.
لقد أقنعنا هذا العصر بأنّ الإنسان كلما عمل أكثر، أصبح أكثر قيمة. لكن؛ الحقيقة قد تكون مختلفة؛ فقيمة الإنسان لا تُقاس بعدد الساعات التي قضاها في العمل، ولا بعدد الإنجازات التي نشرها على حساباته، بل بقدرته على أن يعيش حياةً متوازنة، يجد فيها وقتًا للإنجاز، ووقتًا للراحة، ووقتًا لنفسه. فالإنتاجية نعمة… لكن؛ هوس الإنتاجية قد يتحوّل إلى سجنٍ أنيق، ندخله بإرادتنا، ثم نقضي أعمارنا نحاول الهروب منه.