No Result
View All Result
قامشلو/ سلافا عثمان- في زوايا الأسواق الشعبية تبيع امرأة خمسينية السمن العربي، حاملةً فوق كتفيها عبء عائلة كاملة، متحديةً الفقر والوحدة وطول الطريق، بإرادةٍ لا تنكسر.
ليست كل الحكايات تروى عن بطولاتٍ عظيمة، فبعضها يولد في الأسواق المزدحمة، بين أصوات الباعة ورائحة السمن البلدي، هناك تبدأ قصة امرأة دفعتها الظروف القاسية إلى العمل رغم كبر سنها، لتصبح المعيل الوحيد لأسرتها.
طريق الكفاح اليومي
وفي إحدى قرى جبل عبد العزيز التابعة لمحافظة الحسكة، تعيش “حمدة جدعان“، امرأة في الخامسة والخمسين من عمرها، لم تكن تتخيل يوماً أن تصبح السند الوحيد لعائلتها بعد وفاة زوجها، وأن يتحول الحزن إلى مسؤولية يومية تثقل كاهلها.
وتتكون عائلة حمدة من ستة أشخاص، جميعهم ينظرون إليها بوصفها مصدر الأمان الوحيد، لم يكن لديها خيار سوى الخروج إلى سوق المدينة لبيع السمن العربي، لم تبدأ مشروعاً خاصاً بها، بل تأخذ السمن من امرأة تصنعه في منزلها، ثم تبيعه في الأسواق مقابل أجر يومي ثابت.
وتستيقظ “حمدة” قبل شروق الشمس، تجهز نفسها على عجل، لتغادر بيتها المتواضع ببرد الشتاء وحر الصيف، الطريق إلى السوق يكلفها عشرين ألف ليرة سورية يومياً أجرة مواصلات، ساعتان كاملتان تمضيهما في الطريق ذهاباً وإياباً، لكنها لا تشتكي.
وتصل إلى السوق الساعة الثامنة صباحاً، تجلس في مكانها المعتاد، وترتب عبوات السمن العربي بعناية، رائحة السمن البلدي تعبق حولها، وتذكرها بأيام كانت فيها ربة منزل تصنع الطعام لأسرتها دون أن تفكر يوماً أنها ستبيع هذا المنتج كمصدر رزق وتأمين لقمة عيش لأسرتها.
وتمكث “حمدة” حتى الخامسة مساءً، تراقب حركة الناس، تنادي على بضائعها بصوتٍ هادئ، وتنتظر زبائنها الدائمين، أجرها اليومي خمسون ألف ليرة سورية، ليس نسبةً من المبيعات، بل مبلغاً ثابتاً مهما كان حجم البيع، بعد خصم أجرة الطريق، يبقى معها ثلاثون ألف ليرة فقط، مبلغ بالكاد يكفي لتأمين احتياجات عائلة مكونة من ستة أفراد.
مسؤولية لا تنتهي
ورغم تعبها، لا تسمح “حمدة” لليأس أن يتسلل إلى قلبها، تعرف أن أبناءها بحاجة إليها، وأن الاستسلام ليس خياراً، في المساء، تعود منهكة، لكنها تبدأ دوراً آخر داخل البيت، تطهو، وتنظف، وتطمئن على أفراد عائلتها.
فكبر سنها لم يكن عائقاً أمام إرادتها، لكنه بالتأكيد ترك أثره على جسدها، قدماها تؤلمانها من الوقوف الطويل، وظهرها يئن من التعب، لكنها تخفي آلامها خلف ابتسامة خفيفة تحاول بها أن تطمئن أبناءها أن الأمور بخير.
وفي السوق، يعرفها الكثير من الباعة، ينادونها باحترام، ويقدرون صبرها، بعض الزبائن يشترون منها بدافع العطف، وآخرون يثقون بجودة السمن الذي تبيعه، لكنها في كل الأحوال، لا تطلب الشفقة من أحد، كل ما تريده هو فرصة عادلة لتكسب رزقها بكرامة.
بين الفقر والكرامة
ثلاثون ألف ليرة في اليوم لا توفر لها شيئاً للادخار، فكل ما تكسبه يصرف على الطعام، والإيجار، واحتياجات أبنائها، أحياناً تضطر للاستدانة إذا مرض أحد أفراد الأسرة أو طرأت مصاريف غير متوقعة، ومع ذلك، تواصل العمل بلا انقطاع.
وتفكر “حمدة” أحياناً في مستقبلها “ماذا لو مرضت؟ ماذا لو لم تعد قادرة على الوقوف كل هذه الساعات؟”، لكن هذه الأسئلة تبقى حبيسة مخيلتها، لأنها تعلم أن التفكير فيها لن يغير الواقع.
وتؤمن “حمدة”، أن العمل ليس معيباً مهما كان بسيطاً، وبيع السمن العربي في الأسواق ليس حلماً كبيراً، لكنه وسيلتها الوحيدة للبقاء، فهي لا تطلب أكثر من حياة مستقرة توفر بها احتياجات أسرتها، وقليلاً من الطمأنينة التي افتقدتها منذ وفاة زوجها.
قوة امرأة
وقصة حمدة ليست مجرد حكاية امرأة تبيع السمن، بل صورة مصغرة لمعاناة الكثيرات ممن وجدن أنفسهن فجأة في مواجهة الحياة وحدهن، بين الطريق الطويل، والأجر القليل، وساعات العمل الممتدة، تقف هذه المرأة مثالاً للصبر والعطاء.
وفي كل صباح، حين تحمل عبوات السمن تتجه نحو السوق، تحمل معها أيضاً أملاً جديداً بأن يكون اليوم أفضل من الأمس، قد لا يتغير دخلها، وقد لا تتحسن ظروفها سريعاً، لكن عزيمتها تبقى أقوى من كل الصعوبات.
وهكذا تستمر الخمسينية “حمدة جدعان”، في كتابة فصل جديد من فصول الكفاح اليومي، قصة عنوانها التضحية، ومضمونها الحب، ونهايتها المفتوحة على أملٍ لا يموت.
No Result
View All Result