No Result
View All Result
حنان بلاودمو حجاب
دَخَلْتُ المَطْبَخَ لِأُعِدَّ إِفْطَارَ أَوَّلِ أَيَّامِ رَمَضَان، وَبَدَأْتُ بِتَقْطِيعِ البَصَل، فَسَالَ الدَّمْعُ مِنْ عَيْنَيَّ… لَا مِنْ حَرِّهِ، بَلْ مِنَ الحَنِينِ.
رَمَضَانٌ آخَرُ بَعِيدًا عَنْ أَهْلِي، عَنْ أَصْحَابِي، وَعَنْ تِلْكَ الأَجْوَاءِ الَّتِي كَانَتْ تَمْلأُ أَرْوَاحَنَا بِالبَهْجَةِ فِي حَيِّنَا وَمَدِينَتِنَا.
أَشْعَلْتُ المَوْقِدَ، وَشَرَعْتُ بِتَحْضِيرِ الأَطْبَاقِ التَّقْلِيدِيَّةِ الَّتِي لَا تَغِيبُ عَنْ مَوَائِدِنَا مَهْمَا تَغَيَّرَتِ البِلَادُ. كَانَتِ الرَّوَائِحُ تَتَصَاعَدُ دَافِئَةً، كَأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تَسُدَّ فَجْوَةَ غِيَابٍ طَوِيلٍ. فَجْأَةً رَكَضَ أَوْلَادِي نَحْوِي بِضَحَكَاتٍ تُشْبِهُ العِيد:
– مَامَا، نُرِيدُ أَنْ نَصْنَعَ الخُبْزَ مَعًا!
فِي لَحْظَةٍ تَبَدَّلَ المَكَانُ وَالزَّمَانُ. حِينَ غَرَسْتُ أَصَابِعِي فِي قَلْبِ العَجِينِ كَانَ بَارِدًا وَلَزِجًا، كَغُرْبَةِ الأَيَّامِ الأُولَى. وَمَعَ كُلِّ حَرَكَةِ دَلْكٍ كَانَ يَلِينُ تَحْتَ كَفِّي، كَأَنَّنِي أُرَوِّضُ حَنِينِي لِيَصِيرَ طَوْعَ أَمْرِي. وَمَعَ امْتِزَاجِ الدَّقِيقِ بِالمَاءِ، تَسَلَّلَتْ إِلَى أَنْفِي رَائِحَةُ الخُبْزِ السَّاخِنِ… تِلْكَ الَّتِي كَانَتْ تَمْلأُ دُرُوبَ طُفُولَتِي، فَغَمَرَتْنِي، عِشْرُونَ عَامًا مِنَ الذِّكْرَيَاتِ دُفْعَةً وَاحِدَةً.
رَأَيْتُهَا مِنْ جَدِيدٍ… تِلْكَ الفَتَاةَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي أَنَارَتْ شَمْسُ الصَّبَاحِ مَلَامِحَهَا، وَثَوْبُهَا المَرْشُوشُ بِذَرَّاتِ الدَّقِيقِ كَأَنَّهُ سَمَاءٌ تَنَاثَرَتْ فِيهَا نُجُومٌ بَيْضَاءُ. كَانَتْ تَدُقُّ الأَبْوَابَ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَتُنَادِي بِصَوْتٍ يُوَزِّعُ الدِّفْءَ عَلَى البُيُوتِ:
«كَسْرَة سْخُونَة… كَسْرَة سْخُونَة!»
كَانَ صَوْتُهَا جُزْءًا مِنْ صَبَاحَاتِنَا، مِثْلَ الأَذَانِ، مِثْلَ ضَحَكَاتِ الجِيرَانِ.
اقْتَلَعَنِي مِنْ شُرُودِي صَوْتُ ابْنَتِي وَهِيَ تَهُزُّ طَرَفَ ثَوْبِي:
– مَامَا، هَلْ نَصْنَعُ الخُبْزَ الآنَ؟
نَظَرْتُ إِلَيْهَا، فَإِذَا الدَّقِيقُ يَغْمُرُ وَجْهَهَا الصَّغِيرَ كَمَا كَانَ يَغْمُرُ وَجْهَ تِلْكَ البَائِعَةِ. أَدْرَكْتُ أَنَّ الدَّائِرَةَ لَمْ تَنْكَسِرْ… بَلِ اتَّسَعَتْ.
ابْتَسَمْتُ وَمَسَحْتُ عَيْنَيَّ:
– نَعَمْ يَا صَغِيرَتِي… الآنَ.
كُنْتُ أَعْجِنُ وَالعَجِينُ يَلِينُ أَكْثَرَ، وَفِكْرِي يَتَأَرْجَحُ بَيْنَ التِّيهِ وَاليَقَظَةِ. دَمْعَةٌ تَتْبَعُهَا ابْتِسَامَةٌ، وَآهٌ يَعْقُبُهَا حَمْدٌ. أَعْرِفُ أَنَّ السِّنِينَ مَضَتْ، وَأَنَّ الأَيَّامَ تَغَيَّرَتْ، وَأَنَّ مَا كَانَ كَانَ… لِأَنَّهُ كَانَ قَدَرًا مَكْتُوبًا.
بَعْدَ الخَلْطِ وَالدَّلْكِ، وَبَعْدَ أَنْ تَحَوَّلَ الصِّغَارُ إِلَى غُيُومٍ صَغِيرَةٍ مِنَ الدَّقِيقِ، تَرَكْنَا العَجِينَ لِيَسْتَرِيحَ. شَكَّلْنَاهُ بِأَيْدِينَا المُتْعَبَةِ السَّعِيدَةِ، وَأَدْخَلْنَاهُ الفُرْنَ. انْتَظَرْنَا…
وَمَعَ أَوَّلِ رَائِحَةٍ خَرَجَتْ مِنْهُ شَعَرْتُ أَنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِي عَادَ إِلَى مَكَانِهِ. لَيْسَ المَاضِي، بَلْ قُدْرَتِي عَلَى أَنْ أَصْنَعَهُ مِنْ جَدِيدٍ.
لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ إِنَّنِي حَزِينَةٌ، وَلَا حَتَّى سَعِيدَةٌ. الأَيَّامُ تَمْضِي، وَنَحْنُ نُؤَجِّلُ الفَرَحَ القَرِيبَ انْتِظَارًا لِشَيْءٍ لَا نَعْرِفُ مَلَامِحَهُ. نَضَعُ أَعْيُنَنَا بَعِيدًا… بَيْنَمَا الحَيَاةُ تَحْدُثُ هُنَا.
لَكِنَّنِي، وَأَنَا أُخْرِجُ الخُبْزَ السَّاخِنَ، أَدْرَكْتُ شَيْئًا، أَنَّ حَيَاتَنَا لَيْسَتْ هُنَاكَ… لَا فِي الغَدِ البَعِيدِ، وَلَا فِي الأَمْسِ الَّذِي مَضَى.
إِنَّهَا هُنَا.
فِي يَدٍ صَغِيرَةٍ يَكْسُوهَا الدَّقِيقُ، فِي رَائِحَةِ خُبْزٍ تُعِيدُ لِلْقَلْبِ دِفْأهُ، وَفِي لَحْظَةٍ بَسِيطَةٍ نَقُولُ فِيهَا، بِقَلْبٍ حَاضِرٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ
No Result
View All Result