في فيينا سنة 1916 قرر فرويد أن ينصب نفسه على قمة هرم التحليل النفسي، أمام جمهور جاء ليستمع إلى المحاضرات الثمانية والعشرين، التي هي بمثابة مدخل تمهيدي إلى التحليل النفسي، ومما قاله: إن أصالة التحليل النفسي تقوم على كونه حقق في علم النفس ثورة من نمط الثورات العلمية الأخرى، غير أن هذا الطموح كان مشتركاً لعديد من علماء النفس في نهاية القرن التاسع عشر.
هذا الكتاب وعنوانه «في تاريخ نشأة التحليل النفسي.. ملفات فرويد الموثقة» (ترجمة عبد القادر قنيني) يؤكد فيه مؤلفوه «ميكل بورش– جاكوبسون– سونو شمدزاني» أن نجاح نظرية إنما يفسره حقيقتها وصدقها، فبعض الناس قد يحتجون انطلاقاً من الانتصار في النقاشات العلمية إلى أن يهزموا بكل ما في الكلمة من معنى الانهزام، فيرفضون أن يستمعوا إلى الحجج، ومن ذا الذي يعطي اهتماماً مماثلا إلى سائر الأفكار التي أدانتها محكمة التاريخ؟
هذا بالضبط ما كان يحاوله المؤرخون النقاد وعلماء النفس منذ عقود إلى الآن، لقد رجعوا إلى فتح العلبة السوداء من جديد للتحليل النفسي، وحاولوا أن يفهموا كيف انتصر هذا التحليل على معارضيه وخصومه، وكيف نجح حتى أثبت نفسه لكثير من الناس على أنه علم للنفس، وبالرغم من عقود من الدراسات السياقية والمقارنة النسبية فقد أضحى تاريخ العلم في أيامنا هذه يتابع باستمرار خضوع بعض دراسات العلوم ذات القيمة النادرة التي تعطي ضماناً لوضع مجتمعي مستقر نسبياً.
بناء عالم فكري
كُتب كثيرة تدور حول مراجعة التحليل النفسي وفرويد، تساقطت منهارة كانهيار كتلة ضخمة من الجليد، كان كل واحد منها أشد انتقاداً من سابقه لأسطورة فرويد، فقد أعادت تلك الكتابات بناء العالم الفكري والاجتماعي لفرويد في نهاية القرن بفيينا، وقدم تفسيراً مفهوماً لأصول التحليل النفسي ظهر مغايرا بصفة كاملة عن أسطورة فرويد، وقد بينت هذه الدراسات إلى أي مدى كانت ملاحظات فرويد وروايات الحالات مختارة ومنتقاة ومتحيزة كاذبة، في ذلك الوقت، ولم يكن فرويد، كما يمكن أن نقرأ ذلك، يتردد في أن يعدل أو يخفى هذا العنصر، أو ذاك من سيرته الذاتية، حتى يتلاءم مع نظريته.
ما حدث هو إعادة فتح النزاع حول التحليل النفسي، الذي كانت هيمنة الأسطورة الفرويدية في بعض الجماعات قد تجمدت لما يقرب من نصف قرن، وحميت المعركة حول فرويد وذهبت بعض الصحف في صفحاتها الأولى إلى التساؤل: «هل مات فرويد؟» والأعمال المنشورة تحت عناوين من نحو «لماذا كان فرويد مخطئاً؟ وحالة فرويد وميلاد التحليل النفسي من كذبة وإعدامات من معارك فرويد والكتاب الأسود للتحليل النفسي» وكذلك هناك مقالات عن فرويد في مجلات، تبعث بانتظام كتلاً ضخمة من الرسائل القلقة احتجاجاً من معسكر الخصوم مرفقة بإجابات.
معارك متجددة
يدور موضوع هذا الكتاب حول معارك فرويد القديم منها والحديث، إذ هو يعيد فتح النزاعات التي أحاطت ببداية التحليل النفسي، ويبين ما إذا كان يمكن أن نتعلم منها شيئاً حول مصير علم، ومن المدهش أن نرى إلى أي حد يتكرر السجال والنزاع حول التحليل النفسي على نحو شبيه بتجوال النائم الحالم، كما حدث في مستهل ذلك القرن إذ من المعلوم أنه ابتداء من سنة 1906 كانت نظريات فرويد موضوعاً لمساجلات دولية محتدمة، شارك فيها قادة معاصرون من طب الأمراض العقلية والسيكولوجيا.
وكالات