قامشلو/ دعاء يوسف ـ باشر المسيحيون في مدينة قامشلو، يوم الاثنين 23 شباط الجاري، طقوس الصوم الكبير، وهو من أهم المواسم الروحية في السنة الليتورجية المسيحية، فيمتد أربعين يوماً استعداداً لعيد القيامة.
ويُعرف الصوم الكبير بالصوم الأربعيني، إذ يستذكر فيه المؤمنون صوم السيد المسيح أربعين يوماً في البرية، ويُعدّ زمن توبة وتأمل وصلاة وتقشف، وقد شهدت الكنائس في المدينة قداديس خاصة بهذه المناسبة، وسط أجواء روحانية تؤكد معاني الصبر والتجدد الروحي.
وحسب التقليد الكنسي، لا يُصام يوم الأحد خلال فترة الصوم الكبير، لأنه يعد يوم قيامة وفرح في العقيدة المسيحية، إذ يُحيي المؤمنون فيه ذكرى قيامة السيد المسيح، لذلك لم يصم المسيحيون الأحد، وقد بدؤوا الصيام الإثنين 23 شباط.
وتلتزم الكنائس المختلفة بهذا التقليد، سواء في الكنيسة الكاثوليكية أو الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، مع وجود بعض الفروقات البسيطة في طريقة الانقطاع وأنواعه، إلا أن المبدأ العام يبقى واحداً، وهو تخصيص زمن الصوم للعبادة والتوبة، مقابل اعتبار يوم الأحد مناسبة احتفالية بالقيامة.
قدسية الصوم الكبير
ويُشكّل الصوم الكبير أهم المحطات الروحية في التقويم المسيحي، إذ يستعد المؤمنون من خلاله لاستقبال عيد الفصح عبر مسيرة تمتزج فيها الصلاة بالصيام وأعمال الرحمة، في رحلة تهدف إلى تهذيب النفس وتجديد الإيمان.
ويمتد الصوم الكبير تقليدياً خمسة وخمسين يوماً، غير أن الكنيسة خففت مدته إلى أربعين يوماً فعلية، أو إلى صوم الأسبوعين الأول والأخير لمن لا يستطيع الالتزام الكامل، نظراً لقدسيته وارتباطه بصوم السيد المسيح في البرية، وتتميّز هذه الفترة بألحان كنسية خاصة وقراءات من العهد القديم، ما يمنحها طابعاً روحياً مختلفاً عن بقية أيام السنة.
وتختلف مواعيد بدء الصوم بين الكنائس، ففي الكنائس الغربية يبدأ بأربعاء الرماد، بينما تنطلق الكنائس الشرقية قبله بأيام قليلة، ويُحتسب الصوم حتى خميس العهد، ليختتم بأسبوع الآلام وصولاً إلى عيد القيامة.
آحاد الصوم
وتسبق الصومَ أسابيعُ تحضيرية، أبرزها صوم نينوى الذي يأتي قبل الصوم الكبير بأسبوعين تقريباً، ويحمل في طقوسه وألحانه روح التوبة والاستعداد كما خُصص أسبوع تمهيدي قبل الأربعين المقدسة، لتهيئة المؤمنين نفسياً وروحياً، حتى لا يدخلوا الصوم دون استعداد.
وتبدأ آحاد الصوم بأحد الرفاع، الذي يحمل معنى الترفع عن الشهوات الجسدية، وفيه تُرفع الأطعمة الدسمة من البيوت استعداداً للصوم، وتؤكد الكنيسة على أركان العبادة الثلاثة “الصلاة والصوم والصدقة”، باعتبارها ركائز المرحلة المقبلة.
ويلي ذلك أحد الكنوز، المستمد من قول المسيح: “لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض… بل اكنزوا لكم كنوزاً في السماء”، وتتمحور قراءاته حول الرحمة ومساندة الفقراء، باعتبار العطاء شكلاً من أشكال العبادة.
وفي الأحد الثاني تستذكر الكنيسة تجارب المسيح في البرية، مركزةً على الانتصار على شهوة الجسد والعين وتعظم المعيشة، وتُقدَّم النصرة هنا كدعوة لقمع الأهواء وضبط النفس.
أما الأحد الثالث فيحمل قصة الابن الضال، بوصفها مثالاً على التوبة الصادقة والعودة إلى حضن الآب، وتؤكد القراءات على أن الاعتراف بالخطأ هو الطريق إلى الغفران.
وفي الأحد الرابع، المعروف بأحد السامرية أو أحد النصف، تُبرز الكنيسة نموذجاً نسائياً للتوبة، مؤكدةً، أن المؤمن بعد التوبة يحتاج إلى الارتواء بكلمة الإنجيل لضمان الثبات في الإيمان.
ويركز الأحد الخامس على إنجيل المخلع، الذي يرمز إلى الإنسان المُنهك بالخطيئة، ويُبرز قوة كلمة الله في إعادة النهوض واستعادة الإرادة.
وقبيل ختام الصوم، يأتي أحد التناصير أو الاستنارة، حيث اعتادت الكنيسة قديماً تعميد الداخلين إلى الإيمان، رمزاً للنور الروحي، مستحضرةً معجزة شفاء الأعمى.
ويُختتم الصوم بأحد الشعانين، الذي يحيي ذكرى دخول المسيح إلى القدس واستقباله بسعف النخيل وأغصان الزيتون، ولا تزال المواكب والتراتيل والشموع المزيّنة بالنخيل حاضرة في احتفالات المسيحيين حتى اليوم، إيذاناً ببدء أسبوع الآلام وصولاً إلى القيامة.
بهذا، يبقى الصوم الكبير زمناً للتجدد الداخلي، تتقاطع فيه الطقوس مع القيم الروحية، ويجد فيه المؤمن فرصة لإعادة بناء علاقته بالإيمان، استعداداً لفرح القيامة.