ليست كل الشعوب تُهزم بالحروب، فبعض الشعوب تُهزم بالخيانة، وبعض القضايا لا تسقط بسبب ضعف أصحابها، بل بسبب كثرة الذين تاجروا بها، أو استخدموها ورقة مؤقتة ثم رموها عند أول صفقة سياسية، وربما لهذا السبب تبدو عبارة «حتى أنت يا بروتس؟» أكثر من مجرد جملة تاريخية في الوعي الكردي، بل تكاد تكون توصيفًا كاملًا لمسار طويل من الوعود المكسورة والانقلابات السياسية والطعنات التي جاءت غالبًا من الحلفاء قبل الأعداء.
حين طُعن يوليوس قيصر على يد بروتس، لم تكن الصدمة في السكين نفسها، بل في اليد التي حملتها، فالأعداء حين يهاجمونك، يكون الأمر متوقعًا، أما حين تأتي الضربة من شخص اعتقدت أنه يقف معك، فإن الألم يتحول من جرحٍ سياسي إلى انهيار ثقة، وهذا ما عاشه الشعب الكردي مرارًا عبر تاريخه الحديث؛ إذ لم تكن المأساة الكردية مجرد صراع قومي أو نزاع حدودي، بل سلسلة طويلة من الخذلان السياسي الذي تراكم في الذاكرة الجماعية حتى أصبح جزءًا من الهوية السياسية الكردية نفسها.
منذ بدايات القرن العشرين، دخل الكرد في معادلة دولية معقدة، كانت فيها القوى الكبرى تتعامل مع قضيتهم بوصفها أداة جيوسياسية أكثر من كونها قضية شعب يبحث عن حقه الطبيعي في تقرير المصير. وبعد الحرب العالمية الأولى، اعتقد كثير من الكرد أن لحظة الاعتراف الدولي قد اقتربت، خصوصًا بعد الإشارات التي ظهرت في معاهدة سيفر عام 1920، والتي فتحت الباب نظريًا أمام إمكانية إقامة كيان كردي مستقل. لكن؛ الحلم لم يدُم طويلًا، إذ جاءت معاهدة لوزان عام 1923 لتغلق ذلك الباب بالكامل، وتعيد توزيع الجغرافيا الكردية بين أربع دول، من دون أي اعتبار للهوية القومية أو الإرادة الشعبية للكرد.
هنا بدأت أولى الصدمات الكبرى في العقل السياسي الكردي. لم يكن الأمر مجرد خسارة مشروع دولة، بل شعورًا بأن القوى الدولية استخدمت تطلعات شعب كامل كورقة تفاوض ثم تخلت عنها عندما تغيّرت المصالح، ومنذ تلك اللحظة، دخل الكرد في قرن كامل من الوعود المؤجلة والاتفاقات غير المكتملة والتحالفات الهشة.
لقد تعلّم الكرد مبكرًا إن السياسة الدولية لا تُدار بالأخلاق، بل بالمصالح، وهذا الإدراك لم يأتِ من الكتب أو النظريات، بل من التجربة المباشرة، ففي كل مرحلة تقريبًا، كان هناك حليف يقترب من القضية الكردية حين يحتاجها، ثم يبتعد عنها عندما تتغير الحسابات. وخلال عقود طويلة، استُخدمت المناطق الكردية ساحات صراع إقليمي ودولي، بينما بقي الإنسان الكردي يدفع الثمن وحده.
ولعل أكثر ما يؤلم في التاريخ الكردي أن الخيانة لم تكن دائمًا واضحة أو مباشرة، بل جاءت أحيانًا على شكل وعود بالدعم، أو تصريحات عن الحقوق، أو تفاهمات مؤقتة تنتهي فجأةً عند أول صفقة أكبر، ولهذا تشكلت لدى الكرد حالةً دائمة من الحذر السياسي، حتى تجاه أقرب الحلفاء. لكن؛ اختزال القضية الكردية في «خيانة الآخرين» فقط سيكون قراءة ناقصة، وربما غير عادلة أيضًا، فالتاريخ الكردي يحمل في داخله جانبًا آخر أكثر حساسية، وهو الانقسام الداخلي. لقد دفعت الحركة الكردية ثمنًا باهظًا للصراعات الحزبية والانقسامات السياسية والتنافس على النفوذ، في لحظات كانت تحتاج فيها إلى وحدة موقف ورؤية استراتيجية مشتركة.
وفي كثير من المحطات، لم يكن الخصم بحاجة إلى اختراق البيت الكردي، لأن الخلافات الداخلية كانت كافية لإضعافه من الداخل، وهذا ما جعل بعض القوى الإقليمية والدولية تستثمر تلك الانقسامات لصالح مشاريعها الخاصة، وهنا تتحول عبارة «حتى أنت يا بروتس؟» من سؤال موجّه إلى الخارج فقط، إلى سؤال مؤلم داخل البيت السياسي الكردي نفسه.
لقد عاش الكرد تجارب مريرة مع الحلفاء، لكنهم عاشوا أيضًا تجارب أكثر مرارة حين تحولت الخلافات الداخلية إلى صدامات أضعفت القضية أمام العالم، فالقضية العادلة وحدها لا تكفي لتحقيق الانتصار إذا غابت الإدارة السياسية الموحدة والرؤية البعيدة.
ورغم كل ذلك، بقيت القضية الكردية حيّة، وهذه ربما واحدة من أكثر المفارقات إثارة في الشرق الأوسط، فشعب تعرّض للتقسيم والإنكار والحروب والتهجير وحملات الإبادة، ما زال قادرًا على الحفاظ على لغته وثقافته وأغانيه وذاكرته الجمعية. وهذا ليس أمرًا بسيطًا، فالكثير من الشعوب اختفت من التاريخ تحت ضغوط أقل بكثير مما تعرض له الكرد.
لقد حاولت أنظمة عديدة تذويب الهوية الكردية أو إنكار وجودها، لكن الكرد أثبتوا أن الهوية ليست مجرد حدود سياسية، بل ذاكرة جماعية وثقافة وإرادة بقاء، وربما لهذا السبب بقيت القضية الكردية حاضرة رغم كل محاولات الإلغاء.
وفي العصر الحديث، أصبح الإعلام جزءًا أساسيًا من المعركة الكردية. لم تعد القضية تُخاض فقط في الجبال أو داخل أروقة السياسة، بل أيضًا في الفضاء الإعلامي العالمي، وهنا يظهر تحد جديد؛ إذ يحتاج الخطاب الكردي إلى الانتقال من خطاب المظلومية فقط إلى خطاب استراتيجي قادر على التأثير وصناعة الرأي العام الدولي.
إن التركيز المستمر على الخيانة، رغم واقعيته التاريخية، قد يتحول أحيانًا إلى خطاب عاطفي يستهلك القضية بدل أن يخدمها، فالعالم لا يتحرك فقط بدافع التعاطف، بل يحترم أيضًا من يمتلك مؤسسات قوية، وخطابًا سياسيًا متماسكًا، ورؤية واضحة للمستقبل.
وهذا لا يعني تجاهل المظالم التاريخية، بل يعني تحويل الذاكرة من أداة للبكاء إلى أداة للوعي، فالشعوب التي تبقى أسيرة جراحها قد تنجح في الحفاظ على الألم، لكنها تفشل أحيانًا في بناء المستقبل.
إن واحدة من أخطر المشكلات في الشرق الأوسط عمومًا هي إن كثيرًا من القضايا القومية تُدار بعقلية عاطفية أكثر من إدارتها بعقلية استراتيجية، والقضية الكردية ليست استثناءً من ذلك، فالتاريخ وحده لا يصنع المستقبل، والمظلومية وحدها لا تكفي لبناء مشروع سياسي ناجح.
الكرد اليوم أمام مرحلة مختلفة تمامًا عن الماضي. المنطقة تتغير، والتحالفات تتحول بسرعةٍ، وموازين القوى لم تعد ثابتة كما كانت. وفي مثل هذا الواقع، يصبح السؤال الأهم ليس: «من خان الكرد؟» بل: «كيف يمكن للكرد ألّا يكونوا ضحية دائمة لمعادلات الآخرين؟».
هذا السؤال هو جوهر المرحلة المقبلة، لأن الشعوب لا تُقاس فقط بحجم معاناتها، بل بقدرتها على تحويل التجربة التاريخية إلى وعي سياسي أكثر نضجًا.
لقد خسر الكرد كثيرًا بسبب تخلي الحلفاء عنهم، لكنهم خسروا أيضًا حين لم يتمكنوا من بناء موقف موحد في اللحظات الحاسمة، وهذه الحقيقة قد تكون مؤلمة، لكنها ضرورية لأي قراءة صادقة للتاريخ.
إن أخطر أنواع الخيانة ليست تلك التي تأتي من العدو، بل تلك التي تجعل الشعب يفقد ثقته بنفسه أو يتحول إلى مجرد رد فعل دائم على سياسات الآخرين، ولذلك؛ فإن التحدي الحقيقي أمام الكرد اليوم ليس فقط مواجهة الضغوط الخارجية، بل بناء مشروع سياسي وإعلامي وثقافي قادر على تجاوز عقلية الانتظار والخوف والانقسام.
وربما لهذا السبب، فإن عبارة «حتى أنت يا بروتس؟» يجب ألا تبقى مجرد صرخة ألم في الخطاب الكردي، بل يجب أن تتحول إلى درس سياسي عميق، فالتاريخ لا يرحم الشعوب التي لا تتعلم من خيباتها، والسياسة لا تعترف إلا بمن يمتلك القدرة على حماية مصالحه بنفسه.
ورغم كل ما حدث، ما زال الكرد هنا. ما زالت لغتهم تُغنى، وأعلامهم تُرفع، وأحلامهم تُورث من جيلٍ إلى آخر، وربما هذه هي الحقيقة الأهم في كل الحكاية؛ إن شعبًا عاش كل تلك الطعنات، وما زال واقفًا، لا يمكن اختزاله في صورة الضحية فقط.
لقد كان في تاريخ الكرد كثير من «بروتس»، وكثير من الخناجر، وكثير من الصفقات التي بيعت فيها الأحلام القومية بثمن المصالح الدولية. لكن؛ الحقيقة التي بقيت أقوى من كل ذلك هي أن القضية الكردية لم تَمُت، وإن هذا الشعب، رغم كل ما تعرض له، ما زال يرفض الاختفاء.
ولهذا، فإن الجملة الأخيرة التي يكتبها التاريخ ربما لن تكون: «حتى أنت يا بروتس؟».. بل: «ورغم كل الخيانات… بقي الكرد».