No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف – تستذكر الفتيات السريانيات في مقاطعة الجزيرة، قبيل الصوم الكبير، الأميرة “حانا قريثو” بطقس “العروس”، يَجُبْنَ فيه القرى مرددات الأناشيد وجامعات البرغل والسمن والبيض، إحياءً لذكرى تضحيتها وحفاظاً على التراث السرياني.
في الأحد الذي يسبق الصوم الكبير، تستعيد الفتيات السريانيات في مقاطعة الجزيرة طقساً موروثاً يختزن في تفاصيله حكاية تضحية تعود إلى قرون بعيدة، طقسٌ تتقاطع فيه الذاكرة الشعبية مع الرمزية الدينية والاجتماعية، وتتمحور حول شخصية “حانا قريثو”، التي تحولت من أميرة في الأسطورة إلى أيقونةٍ تستحضرها الأجيال سنوياً.
حكاية نذرٍ ووفاء
وتروي المصادر الشعبية أن القصة تعود إلى أحد ملوك بلاد ما بين النهرين، الذي مُني بهزائم متكررة قبل أن يحقق نصراً حاسماً، حينها نذر أن يقدم أول من يستقبله عند عودته قرباناً، غير أن أول من خرج لاستقباله كانت ابنته “حانا”.
وحسب الرواية المتناقلة، قبلت الأميرة مصيرها، لكنها طلبت مهلة أربعين يوماً لتصعد مع رفيقاتها إلى الجبل، حيث يحتفلن بالنصر قبل أن تُقدّم نفسها وفاءً لنذر والدها، وخلال تلك الأيام، جمعت الفتيات البقوليات والبرغل والبيض والسمن، وأعددن الطعام وأحيين الاحتفالات، ومع اقتراب انتهاء المهلة، طلبت “حانا” من صديقاتها أن يحيين ذكراها سنوياً في المكان ذاته.
طقس “العروس” في الحاضر
ورغم تعاقب الأزمنة، لا يزال الطقس حاضراً في عدد من القرى والبلدات ذات الغالبية السريانية في الجزيرة، تبدأ الفتيات يومهن بصنع دمية خشبية تُلبس ثوب العروس الأبيض، في إشارة إلى الطهارة والبراءة، ثم يحملنها بعد القداس الكنسي في موكب يجوب أزقة الحي.
وخلال الطواف على المنازل، يقدم الأهالي لهن السمن والبرغل والبيض، وهي المكونات ذاتها التي ارتبطت بالقصة الأصلية، وتردد الفتيات أنشودة شعبية بالسريانية تستحضر مشهد “بنت الملك” التي كانت الضحية.
وفي ختام الجولة، تُجمع المواد الغذائية وتُطهى بطعام يُعرف محلياً بـ “القِلي”، في مشهد جماعي يعيد إنتاج الذاكرة الأولى لاحتفال الأربعين يوماً.
بين الأسطورة والهوية
ولا يقتصر الطقس على استذكار شخصية تاريخية أو أسطورية، بل يمثل شكلاً من أشكال صون الهوية الثقافية واللغوية، خصوصاً في منطقة تتداخل فيها الشعوب المتعددة بمختلف أديانهم وإثنياتهم. كما يرتبط التوقيت ببعد رمزي، إذ يسبق الصوم الكبير، فيشكّل انتقالاً من زمن الفرح والاحتفال إلى زمن التقشف والعبادة، بما يحمله ذلك من دلالات روحية.
وهكذا، تظل “حانا قريثو” حاضرة في الذاكرة الجمعية، لا بوصفها ضحية نذرٍ قديم فحسب، بل باعتبارها رمزاً يتجدد كل عام، حين تحمل الفتيات العروس في الأزقة، في طقسٍ يمزج الأسطورة بالواقع، ويحفظ للتاريخ الشعبي مكانته في وجدان المجتمع.
No Result
View All Result