No Result
View All Result
روناهي/ قامشلو ـ تمرُّ سنةٌ على غياب الشهيد الإعلامي “عكيد روج”، لكن صوته لم يغب، وصورته لم تغادر ذاكرة المكان، عامٌ من الفقد، وعامٌ من الحضور المختلف، حيث بقيت كلماته شاهدةً على الحقيقة التي نذر حياته لنقلها، وبقيت خطواته محفورةً في دروب الحرية التي اختارها عن قناعةٍ وإيمان، لم يكن عكيد روج مجرد إعلامي، بل كان عينًا ترى وجع الناس، وصوتًا يرفض الصمت، وقلبًا آمن بأن الكلمة الحرة قادرة على مواجهة الموت، لتبقى ذكرى وفاته الأولى حكايةَ عهدٍ لا ينتهي، ورسالةً تستمر رغم الغياب.
خلال ثورة 19 تموز، أصبح الإعلام ونقل المعلومة، مهمة نضالية اختارها الكثير من شبان وشابات روج آفا ومن بينهم الشهيد “عكيد روج”، الذي اختار الإعلام ليكون صوتاً للحقيقة وشاهداً على ما تعيشه روج آفا، حمل الكاميرا والسلاح معاً، وتنقل بين خطوط التماس ومخيمات المهجرين وساحات الاحتجاج، ووثّق الكثير من تفاصيل المقاومة حتى أصبح هو نفسه جزءاً منها.
سيرته الذاتية
وفتح عكيد روج، الاسم الحقيقي (شرفان سيدو)، عينيه على الحياة بمدينة عفرين في الرابع من كانون الثاني عام 1997 لعائلة وطنية، عرفت بتقديمها العديد من الشهداء والمقاومين، كبر على حكايات التضحية، وشرب منذ طفولته معنى الانتماء للأرض والكرامة، ليختار في سن مكبرة أن يكون جزءاً من مسيرة النضال التي انطلقت مع ثورة روج آفا عام 2012.
وتتألف عائلة الشهيد عكيد روج من خمسة شباب وثلاث شقيقات، بيت امتلأ بالحيوية والمسؤولية المبكرة وتربى فيه على معنى التضامن والانتماء.
شغف الدراسة
ووصل روج إلى الصف العاشر، وكان يعشق الدارسة بشغف لافت، أحب الكتب والدفاتر، وكان يرى في العلم طريقاً لفهم العالم وتغييره، ولم تكن المدرسة بالنسبة له مجرد مقاعد وصفوف، بل مساحة للأحلام والطموح. فمنذ صغره كان “عكيد روج” طفلاً هادئاً جداً، مطيعاً وحنوناً، يحمل في قلبه طيبة كبيرة ظهرت منذ سنواته الأولى. كان يحب الدراسة كثيراً، وكان حريصاً على تعلمه وتطوير نفسه باستمرار، شغفه بالمعرفة كان جزءاً من شخصيته التي لم تعرف الكسل أو التردد. غير أن سنوات دراسته تزامنت مع تحولات كبرى عصفت بالمنطقة، ومع انطلاقة ثورة روج آفا عام 2012 وجد نفسه أمام خيار مصيري، أن يبقى في مقعده الدراسي، أو أن ينضم إلى مسيرة رأى فيها دفاعاً عن أرضه وكرامة شعبه.
من ساحات الدفاع إلى ميادين الإعلام الحر
ومع انطلاقة الثورة في 19 تموز 2012 انضم “عكيد روج” إلى النضال الثوري، وناضل لفترة ضمن فعاليات الدفاع المشروع، ليحمل بعدها الكاميرا والقلم كما حمل السلاح، وانضم إلى عمل الصحافة، ليصبح عضواً فاعلاً في الإعلام الحر لسنوات طويلة.
وخلال سنوات عمله الإعلامي، أصبح عكيد روج شاهداً على أدق تفاصيل المعارك والتحولات، مؤمناً أن الحقيقة جبهة لا تقل أهمية عن أي جبهة قتال، فبذل جهوداً كبيرة في تغطية مقاومات عفرين، ومناطق الشهباء ومدينة حلب، وواكب عمليات تحرير تلك المناطق من المجموعات المرتزقة.
وفي عام 2018 أمضى شهرين إلى جانب المقاتلين في عفرين، يتابع ويوثق عمليات مقاومة هجمات الاحتلال التركي لحظة بلحظة، عاش تفاصيل الحصار والقصف، ونقل صورة الصمود كما هي، دون تزييف أو تهويل. وبعدها كرّس نضاله لتوثيق أوضاع شعبه المهجرين إلى مناطق الشهباء، ناقلاً معاناتهم وآمالهم للعالم.
استهداف سد تشرين.. حين تصبح الكلمة هدفاً
ومع سقوط النظام البعثي في الثامن من كانون الأول 2024، شن مرتزقة دولة الاحتلال التركي فيما يسمى بالجيش الوطني وبدعم تركي، هجمات على مناطق الشهباء ولاحقاً سد تشرين، ولكن قوات سوريا الديمقراطية بريادة وحدات حماية المرأة وشعوب شمال وشرق سوريا تصدوا للهجمات التي استمرت من الثامن شهر كانون الثاني 2025 وحتى الخامس من أيار من العام ذاته يوم إعلان انتصار المقاومة.
وفي هذه المقاومة، لعب الشهيد عكيد روج دوراً محورياً في التغطية الإعلامية، ولكن ولأن دولة الاحتلال التركي تخشى الأقلام الحرة، استهدفته بطائرة مسيّرة يوم 15 شباط 2025، ليرتقي إلى مرتبة الشهادة.
وصية من قلب المعركة
وقبل استشهاد الشهيد “عكيد روج”، كتب رسالته الأخيرة، كلمات خرجت من بين هدير القصف، قال فيها: “ها أنا ذا أكتب لكم كلماتي الأخيرة من قلب المعركة، هدير القصف الذي يعصف بكل شيء حولي، أكتب لكم عن بطولات لم تسجل في الكتب بعد، وعن صمود لا يراه إلا من كان هنا، قد لا أعيش لأرى النصر بنفسي، لكنني مؤمن أن مدينتي عفرين ستتحرر في يوم من الأيام، لا تيأسوا لا تدعوا اليأس يتسلل إلى قلوبكم، لأن النصر قادم لا محالة”. وتحدث في رسالته عن حلم تحرير عفرين، وعن الأطفال الذين سيعودون للعب في حاراتها دون خوف، وعن شمس الحرية التي ستشرق على جبالها. وختم الشهيد عكيد رسالته، مؤكداً أنه لم يكن صحفي فقط، بل شاهداً على التاريخ مطمئناً أن الراية ستبقى مرفوعة بأيدي من يكملون الدرب.
الوداع الأخير
وُوري جثمان الشهيد عكيد روج الثرى في مراسم مهيبة حضرها الآلاف من شعوب شمال وشرق سوريا، في مزار الشهيد دجوار بقرية الداودية في مدينة الحسكة. وهكذا رحل الشهيد عكيد روج جسداً، لكنه بقي حكاية تروى، وصورة في ذاكرة شعب، وصوتاً لا يخفت في سجل الإعلام الحر.
No Result
View All Result