يجتمع قادة العالم وكبار المؤثرين في السياسات الدولية كل عام، لحضور مؤتمر ميونيخ السنوي للأمن، يتم فيه مناقشة قضايا الأمن الدولي، والتصدي للإرهاب القضية الأبرز فيه، كما يتم النظر إلى هذا المؤتمر السنوي كمنصة نوعية للحوار والتعاون بين الدول.
وكان إحدى نقاط الضعف التي تؤخذ على هذه المنصة في سنوات انعقادها الأخيرة، عدم حضور قوات سوريا الديمقراطية، اللاعب الأبرز، والرقم الصعب في معادلة التصدي لتنظيمات الإرهاب العابرة للحدود، في مقدمتها القاعدة، وفرعها السوري العراقي داعش، علماً بأن قوات سوريا الديمقراطية “قسد” قدمت منذ نحو عشر سنوات تأسيسها في العاشر من تشرين الأول 2015 نحو 35 ألف من الشهداء والجرحى ومصابي الحرب. ولا ننسى في ذلك فضل وحدات حماية الشعب، ووحدات حماية المرأة، عمودها الفقري التي أُسِّست عامي 2012 ـ 2013 فخاضت معارك عدة قبل تأسيس “قسد” وشراكتها مع التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ضد الإرهاب.
وكان خطأ كبيراً جداً أن ينعقد هذا المؤتمر، دون حضور قوات سوريا الديمقراطية، الخطأ الذي تم تداركه في الاجتماع الأخير من خلال قيادة قوات سوريا الديمقراطية، وعقدها لقاءات مهمة مع قادة بلدان تحظى بثقلها وأهميتها في الحسابات الدولية، ومن أهم ما يمكن استنتاجه كمسلّمة لن يتم تجاوزها بعد اليوم، وباتت بمثابة استحقاق بأن الكرد في روج آفا ينتقلون من مرحلة الشرعية الثورية (الرمز العالمي ضد الإرهاب)، إلى مرحلة الشرعية الدبلوماسية التي تمهد الطريق بدورها للدخول في مرحلة الشرعية الدستورية في سوريا، وعموم المنطقة تحت عنوان عريض.
إن القضية الكردية حان وقت، حلها بشكل عادل ودستوري، لكن هذه المرحلة لم تأتِ بشكل يسير وسلس؛ لقد خاض الكرد، ومعهم شركاؤهم التاريخيون، وأصدقاؤهم المؤمنون بحل عادل للقضية الكردية، من مختلف شعوب المنطقة في مقدمتهم العرب؛ لقد خاضوا تحديات كبيرة في أوقات صعبة، كانت تستهدف وجودهم، وتبغي اقتلاع جذورهم، والنيل من ثقافتهم، والتشكيك بأصالتهم كحقيقة تاريخية وسياسية وجغرافية.
لم تكن المسيرة سهلة بل على العكس، اعترتها مراحل صعبة ومعقدة، بالشكل الذي تم تلمّسه قبل نحو شهر، والتطورات التي عشناها مؤخراً، ومحاولات تلظّي قضية الكرد، وعموم الإدارة الذاتية، وإقحامها في حسابات الصفقات السياسية، في إطار لعبة الأمم ومصالح الأنظمة وأجنداتها.
لكن روج آفا الفكرة والمفهوم والرؤية والممارسة، إنها روج آفا، التي اختارت العين الثالثة، في النهج الثالث، في البداية الأولى للأزمة السورية (ليس مع نظام الاستبداد البعثي المركزي؛ وليس مع المحسوبة على المعارضة التي تؤدي أدواراً وظيفية لأجندات خارجية، إنما مع تحقيق تطلعات شعب سوريا، في التحول والتغيير الديمقراطي).
إنها روج آفا، التي وحدت أكثر من ستين مليوناً كردياً في أرجاء المعمورة، وليس فقط في أجزاء كردستان الأربعة، إنها روج آفا، التي عرت المكائد وكشفت حقيقة المؤامرة، وحولتها إلى المقاومة التي تعني الحياة، إنها روج آفا من وقت الإنكار إلى زمن يقوم الكرد، بأدوارهم التي تليق بتاريخهم ومستقبلهم، ليس من السهل الإعلان بأن الخطوة الأولى بدأت.