سلوى فؤاد القدومي
رواية لا تُقرأ بحثًا عن حدث صاخب أو حبكة تقليدية، بل تُقرأ بوصفها تجربة إنسانية عميقة تلامس الذاكرة والهشاشة والوحدة، وتطرح سؤال الغياب بصيغته الأكثر إيلامًا: الغياب ونحن ما زلنا في المكان.
في هذا النص، لا تختفي مي عن العالم، بل تغيب عنها الذاكرة تدريجيًا، فنشهد انسحابها الهادئ من حياتها، ومن العلاقات التي لم تستطع أن تحميها أو تتمسك بها. ومن خلال هذه السيرة، تفتح الرواية نافذة على تحولات بيروت، وعلى تغيّر الزمن، وعلى الإنسان حين يفقد قدرته على الإمساك بذاته.
هذه رواية بديعة، عميقة المعاني، كُتبت بذكاء وبراعة. لا نخرج منها بعد قراءتها إلا مثقلين بالأسئلة، متأملين في أحوال البشر، وفي المدن، وفي تحولات الزمن.
من هي مي؟ وهل غيبتها مجرد غيبة امرأة في أواخر العمر؟ أم هي غيبة الإنسان واغترابه عن ذاته؟
أم غيبة ذلك الزمن الجميل الذي مضى، والذي عاشته بيروت أيضًا؟ نرى بيروت وتحولاتها من خلال مي.
الست مي هي كل امرأة حطّمها حبّها لرجل انتهازي، كل امرأة كسرها الحب وخذلها الحبيب، فتحوّلت حياتها من امرأة طموحة، حرّة، صاحبة قرار، إلى امرأة وحيدة، مخذولة.
وهنا تحضر إلى الذهن رواية «إيزيس كوبيا» للكاتب واسيني الأعرج، وما عرفناه من خلالها عن حياة مي زيادة. فهل استلهمت الكاتبة من سيرة مي زيادة، ولذلك منحت بطلتها اسم «مي»؟ الست مي أيضًا هي بيروت، أو لبنان، في انعكاس الصورة. ولو جعلنا من مي مرآة نرى فيها بيروت، وتحولاتها، وما أصابها من تغيّرات، وما تعانيه من أزمات ومشكلات، لوجدنا تشابهًا كبيرًا بين الحالتين.
لعلّ الكاتبة أرادت أن نرى بيروت من خلال شخصية مي، فكلاهما مرآة للأخرى. استطاعت نجوى بركات أن تُدخلنا إلى عالم مي، فتابعنا معها تفاصيل أيامها، وشذرات من ذكريات طفولتها، ثم معاناتها مع الوحدة، وتغيرات الجسد، والحاجة إلى المساعدة حتى في أبسط تفاصيل الحياة.
وقفنا مع مي الثمانينية على شرفة شقتها في الطابق التاسع، نراقب المدينة ومن فيها، ونتأمل في أحوالها وأحوالهم ثم دخلنا معها إلى شقتها، لنلتقي بمي الصبية، ونتعرّف إلى ماضيها، وما عانته ومرّت به من أحداث غيّرت مسار حياتها.
تعرّفنا أيضًا إلى يوسف، ناطور العمارة السوري الأصل، الذي بدأ اهتمامه بها من باب الواجب، ثم تحوّل هذا الاهتمام إلى ارتباط إنساني عميق، ففعل ما بوسعه لمساعدتها، بطرق عدّة، من بينها إدخال القطة إلى بيتها لتؤنس وحدتها.
ولا ننسى الأب، والزوج، والمساعدة السرلانكية، والأم الغائبة، والحبيب النرجسي، والأبناء الذين اختاروا الغربة. إنه عالم رسمت نجوى بركات تفاصيله بذكاء، وأدخلتنا إليه بسلاسة وعمق.
في «غيبة مي» لا نقرأ حكاية امرأة اختفت، بل حكاية امرأة غابت عنها الذاكرة، وانسحبت من حياتها ببطء، حتى انتهى بها الأمر إلى الدخول إلى مركز رعاية للمسنين.
رواية تذكّرنا بأن بعض الغيابات لا تكون بالمغادرة، بل بالبقاء في المكان دون القدرة على الإمساك بالحياة كما كانت.
**********
بعض الاقتباسات من الرواية
“لم أكن أُدرك يومها أنَّ الوجوه التي تجذبنا نوعان، نجومٌ مضيئةُ تُنير قلوبنا، وثقوبٌ سوداء قادرةُ على إطفائنا”.
“لم ترانا لا نصدق كائننا الداخلي الصغير جدا، ذاك الملاك المختبئ في مكان ما في ذواتنا، يحاول تنبيهنا وتحذيرنا ممّا نحن مقبلون عليه. يصرخ ويقفز ويخبط بيديه وقدميه على جدران نفوسنا كي يبلغ مسامعنا، لكنه صغير جداً في داخل عملاق نزق لا يعيره انتباهاً. نضع يدينا في النار، ثم نتندّم كيف أننا أسكتناه وأطلقنا في وجهه صخب العالم لكي يخفيه”.
“أحبُّه هكذا دون ذاكرة تُثقله، مشرَّع الملامح على احتمالاتٍ عديدةٍ خالية كلَها ممَّا آلِ إليه”.
“دائمًا ما أفكَّر حين أرى صورةً قديمةً لشخص، إن كان يشكَك ولو لثانية، بما ستؤول إليه حياته”.
“نحن لا نغير أحداً، يا مي، كل ما في الأمر إن الآخر يُخفي وجهه الحقيقي، يمسكه برسن إلى أن يجيء وقت إفلاته”.