No Result
View All Result
قامشلو/ سلافا عثمان – تصاعدت حدة الجدل في الرقة عقب فرض رسوم جديدة على مقالع البحص، ما دفع أصحابها للاعتصام أمام مبنى المحافظة احتجاجاً على قرار يرونه تهديداً مباشراً لاستمرار عملهم، وانعكاساً خطيراً على تكاليف البناء وإعادة الإعمار في مدينة أنهكتها الحرب.
الرسوم البالغة دولارين عن كل متر مكعب أعادت طرح تساؤلات حول التوازن بين تحصيل الإيرادات العامة ودعم مرحلة التعافي الاقتصادي، وسط أوضاع معيشية صعبة ونقص حاد في المساكن.
اعتصام أمام المحافظة
شهد مبنى محافظة الرقة اعتصاماً لعدد من أصحاب مقالع البحص، احتجاجاً على فرض رسم جديد قدره دولارين عن كل متر مكعب من البحص المستخرج. المحتجون أكدوا أن القرار فُرض بعد سيطرة الحكومة السورية المؤقتة على المنطقة، معتبرين أنه يضاعف الأعباء المالية على قطاع يعاني أساساً من ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع القدرة الشرائية في السوق المحلية.
ورفع المعتصمون شعارات تطالب بإعادة النظر في القرار أو تخفيض قيمة الرسوم بما يضمن استمرارية العمل دون تحميل المواطنين أعباء إضافية، مشيرين إلى أن قطاع المقالع يشكل ركيزة أساسية في عملية إعادة الإعمار.
أرقام تكشف حجم الأزمة
بحسب أصحاب المقالع، فإن كلفة استخراج المتر المكعب الواحد من البحص تصل إلى نحو ثلاث دولارات، تشمل ثمن المحروقات وأجور العمال وتكاليف النقل والصيانة. في المقابل، لا يتجاوز سعر بيع المتر الواحد أربع دولارات في السوق المحلية.
وبفرض رسم إضافي قدره دولاران، تصبح الكلفة الإجمالية خمس دولارات، أي أعلى من سعر البيع بدولار كامل، ما يعني خسارة مباشرة عن كل متر مباع إذا لم يُرفع السعر. ويؤكد أحد أصحاب المقالع إن “القرار يجعلنا أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما التوقف عن العمل، أو رفع السعر على التجار والمواطنين لتعويض الفارق”.
كيف ارتفع السعر؟
الرسوم الجديدة دفعت أصحاب المقالع إلى رفع سعر المتر المكعب من البحص لتجنب الخسائر، هذا الارتفاع لم يبقَ محصوراً ضمن قطاع المقالع، بل انعكس فوراً على أسعار مواد البناء الأخرى المرتبطة به، مثل البلوك والخرسانة الجاهزة.
ويشرح أحد المقاولين أن البحص عنصر أساسي في معظم أعمال البناء، وأي زيادة في سعره تؤدي تلقائياً إلى ارتفاع كلفة المتر المربع من البناء. ومع تزايد الحاجة إلى الترميم وإعادة بناء المنازل المدمرة، فإن أي زيادة ولو بسيطة تترك أثراً مضاعفاً على التكلفة النهائية.
تداعيات على الإعمار
تأتي هذه التطورات في وقتٍ تعاني فيه الرقة من نقصٍ واضح في الشقق والمنازل، نتيجة الدمار الواسع الذي خلّفته سنوات الحرب. آلاف المنازل ما تزال مدمّرة أو متضررة جزئياً، فيما تسير مشاريع الترميم بوتيرة بطيئة بسبب ضعف الإمكانات التمويلية وارتفاع أسعار المواد.
زيادة أسعار البحص تعني عملياً: ارتفاع كلفة إعادة البناء، وتأخير إنجاز مشاريع الترميم، وعجز كثير من العائلات عن إصلاح منازلها. ويشير مهندسون محليون إلى أن أي زيادة في مدخلات البناء تؤثر مباشرةً على أسعار الإيجارات أيضاً، ما يزيد الضغط على الأسر ذات الدخل المحدود التي تعاني أصلاً من أوضاع معيشية صعبة.
واقع معيشي هش
تعدُّ القدرة المعيشية للسكان في الرقة من بين الأدنى على مستوى البلاد، وفق تقديرات محلية. ومع ارتفاع أسعار السلع الأساسية والخدمات، يصبح تمويل إعادة إعمار منزل أو حتى ترميمه عبئاً يفوق طاقة كثير من الأسر.
ويرى ناشطون اقتصاديون أن فرض رسوم جديدة في هذه المرحلة قد ينعكس سلباً على جهود التعافي، خصوصاً إذا لم تترافق مع خطط دعم أو إعفاءات تستهدف المشاريع السكنية أو ذوي الدخل المحدود.
بين الإيرادات ودعم التعافي
في المقابل، يشير بعض المعنيين بالشأن المالي إلى أن فرض الرسوم يأتي في إطار سعي الإدارة المحلية إلى تعزيز مواردها المالية لتغطية نفقات الخدمات العامة وتحسين البنية التحتية. غير أن خبراء يرون أن تحقيق التوازن بين تحصيل الإيرادات ودعم مرحلة إعادة الإعمار يتطلب دراسة أعمق للأثر الاقتصادي والاجتماعي للقرار. ويقترح البعض اعتماد رسوم تصاعدية أو منح إعفاءات للمشاريع السكنية، أو تخفيض الرسم مؤقتاً ريثما تتحسن الأوضاع الاقتصادية.
أسئلة مفتوحة
يبقى السؤال الأبرز اليوم: هل تراعي القرارات المالية أوضاع السكان وقدرتهم على إعادة بناء منازلهم؟ وهل يمكن إيجاد حلول تضمن استمرارية عمل المقالع من جهة، ودعم عملية التعافي العمراني من جهة أخرى، دون تحميل الأهالي أعباء إضافية في مرحلة ما تزال تتطلب كل أشكال الدعم والتيسير؟
في ظل استمرار الاعتصام وتصاعد المطالبات بإعادة النظر في القرار، تبدو الأيام المقبلة حاسمة في تحديد مسار هذا الملف، الذي لا يمس قطاعاً اقتصادياً فحسب، بل يرتبط مباشرة بحق آلاف العائلات في استعادة منازلها وحياتها الطبيعية.
No Result
View All Result