No Result
View All Result
د. طه علي أحمد
في كل مرةٍ تتصاعد فيها المصادمات الأمنية بين السلطة المؤقتة في دمشق والمجموعات المرتزقة التابعة لها مع المكونات والشعوب، سواء مع قوات سوريا الديمقراطية أو في مناطق ذات خصوصيات طائفية كالدروز والعلويين، يتكرّس سؤال جوهري: لماذا فشلت “الوحدة الوطنية” في إنتاج استقرار حقيقي؟، فبعد أكثر من عقد من الصراع، لم تعد الأزمة السورية مجرد صراع سلطة، بل تحوّلت إلى أزمة اندماج وطني عميقة، تكشف حدود نموذج الدولة المركزية الأمنية التي تُدار من العاصمة دمشق وتُفرض على مجتمع شديد التنوّع بالقوة. في هذا السياق، يفرض نموذج الاندماج الديمقراطي الذي يتضمنه طرح الأمة الديمقراطية نفسه، كرؤية مختلفة جذريًا ومتناقضة مع نموذج الدولة القومية التي هيمنت على ميادين السياسة والاجتماع بل وشريك أصيل في كافة أزمات الشرق الأوسط.
المفارقة الكبرى أن المجتمع السوري تاريخيًا كان أكثر قدرة على التعايش من الدولة نفسها، فلطالما صمدت القرى المختلطة والمدن المتنوعة والعلاقات الاقتصادية العابرة للطوائف لعقود، قبل أن تفجّرها سياسات صَهْر الهوية في قالب قومي واحد، واحتكار السلطة بِيَد مركز أمني، والتعامل مع التعدد بوصفه تهديدًا لا ثراءً، وهكذا تحوّلت الطوائف والقوميات من مكونات اجتماعية طبيعية إلى “ملفات أمنية”، ومن شركاء وطن إلى جماعات مشكوك في ولائها.
وعلى نقيض الاندماج القسري الذي تمارسه الدول المركزية، يقوم طرح الاندماج الديمقراطي على ثلاث ركائز أساسية أولها الاعتراف بالتعدد الهوياتي إذ لا أمة واحدة مُصمَتة، بل أمم وثقافات متجاورة داخل المجتمع الواحد، وثانيها اللامركزية السياسية الحقيقية، حيث تدير المجتمعات شؤونها عبر مجالس منتخبة محلية، لا عبر أوامر فوقية، وثالثها المشاركة الشعبية المباشرة بما يحوّل المواطن من تابع للسلطة إلى شريك في القرار. وفي هذا السياق لا يتمثل الهدف النهائي في تفكيك الدولة، بل تفكيك احتكارها للهوية والسلطة معًا.
هنا يُثار التساؤل؛ لماذا فشل الاندماج القسري في سوريا؟، وللإجابة على هذا السؤال يمكن القول إن النموذج الذي حكم البلاد لعقود حاول إنتاج وحدة عبر الخوف بدل الثقة، والقمع بدل التوافق، وكذلك الأمن بدل السياسة. لكن النتيجة كانت معاكسة تمامًا؛ حيث تعمّقت الانقسامات، وتحولت الهويات إلى خطوط صراع، مع فقدان أي شعور حقيقي بالمواطنة المتساوية. وفحين تُقصى جماعة ثقافيًا أو سياسيًا، فإنها لا تندمج ـ بل تنكفئ وتبحث عن حماية ذاتية.
تساؤلٌ آخر يفرض نفسه وهو: كيف يمكن للاندماج الديمقراطي أن يقدّم مخرجًا سوريًا؟، هنا تقفز لصدارة الفرائض الواجبة على الجميع خلال المرحلة الراهنة أهمية وجود عقد اجتماعي جديد من خلال دستور يعترف صراحة بالتعدد القومي والديني والثقافي، بدل اختزاله في هوية واحدة.
كما يتعين تبنّي نموذج لإدارة المجتمع من خلال سلطة تنطلق من القاعدة إلى القمة؛ سلطة تعبر عنها مجالس محلية منتخبة تمتلك صلاحيات فعلية في التعليم والإدارة والأمن المجتمعي وصولاً إلى التنمية بكافة مستوياتها. بجانب ذلك، تبرز أهمية تبني منطق “شراكة لا وصاية” الذي تتحول خلاله جميع الشعوب، عربًا، وكرداً، وعلويين، ودروزًا، ومسيحيين …إلخ، إلى شركاء متساوين في الحكم، لا جماعات خاضعة للمراقبة.
ما سبق، يصعب تصوره بدون إنهاء منطق “الأمن أولًا” واستبداله بمنطق “المجتمع القوي أولًا”، حيث الاستقرار ناتج عن العدالة والمشاركة لا عن القبضة الحديدية. بعبارة أخرى، فإن تجاوز أزمات سوريا الجديدة يفرض تبني نموذج الاندماج عبر الديمقراطية لا عبر القوة، أي أنه طرح لا يسعى لإذابة الفوارق، بل لتنظيمها سياسيًا بشكل سلمي، فالاختلاف، في هذا النموذج، ليس مشكلة بل حقيقة تُدار ديمقراطيًا، وبدل أن تكون الدولة أداة فرض هوية، تصبح إطار تنسيق بين هويات متعدّدة.
الخلاصة إذن أن سوريا تقف الآن أمام خيارين؛ إما الاستمرار في نموذج الدولة المركزية القسرية، وما ينتجه من تمرّد دائم وصراعات متجددة، أو الانتقال إلى اندماج ديمقراطي حقيقي يربط السوريين عبر المصالح المشتركة والحقوق المتساوية، فأخطر ما يهدد سوريا اليوم ليس تنوّعها، بل الخوف منه. وأقوى ما يمكن أن ينقذها ليس المزيد من الأجهزة، بل عقد اجتماعي يعترف بالجميع.
No Result
View All Result