No Result
View All Result
يونس بهرام
تشهد الساحة العراقية مرحلةً سياسية بالغة الحساسية، تتزامن فيها حملة حكومية واسعة لمكافحة الفساد مع تحولاتٍ إقليمية غير مسبوقة، أبرزها تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما رافقها من ضغوطٍ متزايدةٍ لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
ولا يختلف كثير من العراقيين على أن مكافحة الفساد تمثل ضرورة وطنية لإنقاذ الدولة، لكن الجدل يتركز حول توقيت هذه الحملة، والجهات التي تستهدفها، وما إذا كانت تأتي في إطار مشروع إصلاحي داخلي خالص، أم أنها تتقاطع مع استراتيجية إقليمية أوسع لإعادة ترتيب النفوذ داخل العراق.
مكافحة الفساد… إصلاح داخلي أم جزء من معادلة إقليمية؟
منذ سنوات، تعمل الولايات المتحدة على الحد من النفوذ الإيراني في العراق ولبنان واليمن، باعتبار إن الفصائل المسلحة المتحالفة مع طهران تمثل إحدى أهم أدوات القوة الإيرانية في المنطقة.
وبعد التصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، أصبح من الطبيعي أن يتساءل مراقبون عما إذا كانت الإجراءات العراقية الأخيرة تأتي في سياق أوسع يهدف إلى تقليص نفوذ القوى المقربة من إيران داخل مؤسسات الدولة. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود أوامر مباشرة من الخارج، بل قد يكون هناك تقاطع بين المصالح؛ فالحكومة العراقية قد ترى أن تقوية مؤسسات الدولة وحصر السلاح بيدها ينسجمان مع مصلحتها الوطنية، وفي الوقت نفسه ينسجمان مع الرؤية الأمريكية لإضعاف نفوذ الفصائل المسلحة. ومن هنا، يرى بعض المحللين إن فتح ملفات الفساد ضد شخصيات نافذة قد يؤدي، بصورةٍ غير مباشرة، إلى إعادة توزيع النفوذ السياسي داخل العراق، وليس فقط إلى محاسبة الفاسدين.
إيران… الخاسر الأكبر إذا تغيرت موازين القوى
إذا نجحت بغداد في تقليص نفوذ القوى المسلحة المرتبطة بإيران، فإن طهران ستكون أمام تحدٍ استراتيجي، لأنها ستفقد جزءًا مهمًا من نفوذها السياسي والأمني في العراق، وهو نفوذ بُني على مدى أكثر من عقدين. كما أن أي تحول في العراق ستكون له انعكاساتٍ على شبكة النفوذ الإيرانية الممتدة إلى سوريا ولبنان واليمن، وهو ما يفسر الاهتمام الإيراني الكبير بكل تحوّل سياسي أو أمني داخل بغداد.
تركيا… المستفيد الهادئ
بعيدًا عن الأضواء، تبدو تركيا لاعبًا لا يقل أهمية عن بقية الأطراف. فأنقرة تنظر إلى باشور كردستان “شمال العراق” من زاويتين رئيسيتين: الأمن القومي، والمصالح الاقتصادية.
الأولوية الأمنية تتمثل في منع حزب العمال الكردستاني من ترسيخ وجوده داخل الأراضي العراقية، بينما تتمثل الأولوية الاقتصادية في حماية طرق التجارة والطاقة وتعزيز حضور الشركات التركية في السوق العراقية. ويرى بعض المحللين أن أي إعادة تشكيل لموازين القوى داخل العراق قد تفتح أمام تركيا مساحة أكبر لتعزيز نفوذها، خصوصًا إذا انشغلت القوى المقربة من إيران بأزماتها الداخلية.
وفي هذا السياق، تُطرح فرضية مفادها أن أنقرة قد تستفيد من إضعاف بعض مراكز القوة داخل العراق بما يسمح لها بزيادة تأثيرها السياسي والأمني والاقتصادي، من دون أن تكون في واجهة الأحداث.
إقليم كردستان… بين الفرصة والقلق
يجد إقليم كردستان نفسه في قلب هذه التحولات. فمن جهة، قد يمنح تراجع النفوذ الإيراني للإقليم فرصة لتعزيز علاقاته مع الولايات المتحدة والدول الغربية، واستقطاب مزيد من الاستثمارات، وتوسيع دوره الاقتصادي. لكن؛ من جهةٍ أخرى، يثير تغير موازين القوى مخاوف من أن يتحول الإقليم إلى ساحة تفاوض بين القوى الإقليمية.
وتبرز هنا فرضية سياسية يتداولها بعض المراقبين، مفادها إن تركيا لا تعارض وجود إقليم كردستان قوي اقتصاديًا، لكنها تتحفظ على أي تطور قد يمنحه استقلالًا سياسيًا أو عسكريًا أكبر، خشية انعكاس ذلك على القضية الكردية داخل تركيا.
ومن هذا المنطلق، نرى أن أنقرة قد تفضّل بقاء الإقليم ضمن معادلة توازن تجعله معتمدًا اقتصاديًا على تركيا، مع الحد من أي توسع في نفوذه السياسي. وهناك أدلة كثيرة تثبت وجود خطة تركية تستهدف تقليص الصلاحيات لإقليم كردستان أو إضعاف مكتسباته السياسية، والاقتصادية.
إذا كانت حملة مكافحة الفساد مشروعًا وطنيًا حقيقيًا، وشملت جميع القوى دون استثناء، فإنها قد تمثل بداية لإعادة بناء الدولة العراقية على أسس أكثر قوة وعدالة.
أما إذا اقتصرت على أطراف محددة، بينما بقيت أطراف أخرى بمنأى عن المساءلة، فإنها ستُفسَّر على أنها جزء من إعادة توزيع النفوذ السياسي أكثر من كونها مشروعًا إصلاحيًا.
وفي الوقت نفسه، ستسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز دولة أكثر قدرة على ضبط السلاح وتقليص نفوذ المجموعات، بينما ستعمل إيران على الحفاظ على ما تبقّى من نفوذها داخل العراق، وستحاول تركيا استثمار أي فراغ سياسي أو أمني لتعزيز مصالحها في شمال البلاد.
وفي خضم هذا المشهد، سيبقى إقليم كردستان أمام تحدي الحفاظ على توازنه بين بغداد وأنقرة وواشنطن وطهران، مع السعي إلى حماية مكاسبه الدستورية وتجنب التحول إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية مع العمل الجاد في توحيد قوى البيشمركة وتفعيل البرلمان
العراق اليوم لا يواجه معركة مكافحة فساد فحسب، بل يقف عند مفترق طرق يتعلق بطبيعة الدولة نفسها، وموقعها في خارطة التوازنات الإقليمية الجديدة، وقد تكون حملة مكافحة الفساد خطوةً إصلاحية حقيقية، وقد تتقاطع في الوقت نفسه مع مصالح قوى إقليمية ودولية تسعى إلى إعادة رسم النفوذ في المنطقة. لكن؛ الحكم النهائي لن يكون بالتكهنات، بل بمدى استقلال القضاء، وشمولية المحاسبة.
No Result
View All Result