إسحاق الشعير
إن المشهد السوري الراهن، بما يحمله من تعقيدات وتداخلات، ليس سوى فصل جديد في رواية تاريخية طويلة خطتها أيادي القوى العظمى، والتي لا تزال تمسك بخيوطها وإن تبدلت الوجوه والأدوات.
في خضم الحديث عن تدخلات إقليمية ودور شخصيات معينة في إيقاف هجمات أو صياغة اتفاقات، يغيب عن الكثيرين جوهر الحقيقة:
إن هذه التحركات ليست سوى تفاصيل ضمن مخطط أكبر، وأن اللاعبين الحقيقيين هم من يملكون الإرث التاريخي في رسم خرائط المنطقة، وأن الشعب الكردي السوري يقف اليوم في صلب هذه التحولات. تتداول الأوساط الإعلامية والسياسية أنباء عن تدخل شخصيات ودول وكيانات في إيقاف الهجوم الهمجي الذي شنته مجموعات تابعة للحكومة المؤقتة التي تمثل حالياً سلطة انتقالية في سوريا، وكان هذا الهجوم يستهدف بشكل مباشر الكرد السوريين.
كما يُروّج لدور تركي محوري في التوصل إلى اتفاقات معينة .إلا أن هذه الروايات، في تقديرنا، لا تتجاوز كونها محاولات لتجميل وتضخيم الدور التركي في المنطقة. فتركيا، وإن كانت لاعباً إقليمياً مهماً، إلا أنها لا تتعدى كونها إحدى الدول المعنية في التقسيم الجديد وخارطة الشرق الأوسط الجديدة، وليست هي المحرك الأساسي أو صانع القرار الأوحد.
إن هذه المحاولات لنسب الفضل أو التأثير لتركيا هي جزء من سردية تهدف إلى إضفاء شرعية أو أهمية على دورها، بينما الحقيقة التاريخية والجيوستراتيجية تشير إلى غير ذلك.
إن القوى العظمى الحقيقية، والتي تمتلك القدرة على صياغة مصير المنطقة، لم ولن تكون إلا لبريطانيا، ومن ثم فرنسا. هاتان الدولتان، اللتان ورثتا إرثاً استعمارياً عميقاً في الشرق الأوسط، لا تزالان تمارسان نفوذاً خفياً وعلناً في تحديد مسارات الأحداث. فمنذ اتفاقية سايكس بيكو السرية عام 1916، التي قسمت المنطقة بينهما بعد انهيار الدولة العثمانية، وهما تملكان مفاتيح اللعبة. أي حديث عن دور تركي محوري يتجاوز هذا الإرث التاريخي هو تجاهل للحقائق الراسخة التي شكلت وما زالت تشكل بنية المنطقة السياسية والاجتماعية.
تُظهر الأحداث الأخيرة في سوريا، بما في ذلك الضربات الجوية البريطانية الفرنسية المشتركة ضد داعـ ـش في البادية السورية، وتأكيد فرنسا على دورها الدبلوماسي في التوصل إلى اتفاق بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، أن هذه القوى لا تزال حاضرة وفاعلة. كما أن رفع بريطانيا لبعض العقوبات عن كيانات سورية لدعم “الانتقال السياسي”، يشير إلى استمرارها في توجيه دفة الأحداث بما يخدم مصالحها الاستراتيجية طويلة الأمد.
في هذا السياق، يأتي الاتفاق الذي تم التوصل إليه مؤخراً بين الأطراف المعنية، والذي يضمن “لامركزية موسعة” تكفل للكرد خصوصية مناطقهم في شمال سوريا.
هذا الاتفاق ليس مجرد تسوية محلية، بل هو مؤشر على تحول أعمق في خريطة الشرق الأوسط الجديد.
فبينما كانت اتفاقية سايكس بيكو ترسم الحدود وتوزع النفوذ بعيداً عن إرادة شعوب المنطقة، فإن الشرق الأوسط الجديد، وإن كان لا يزال يطبق مخططه على قدم وساق، سيكون مغايراً لما كان عليه.
التغيير الأساسي يكمن في إشراك الكرد بشكل واضح وأمام مرأى العالم كشريك استراتيجي على الأرض. أما تركيا، فبدلاً من أن تكون صانعة للقرار، تبدو وكأنها تعيش حالة من الرعب من انتظارها الدور في التقسيم الذي سيبدأ من داخلها.
إن أطماعها وتطاولها في المنطقة قد جعلها عرضة لذات المصير الذي تسعى لفرضه على الآخرين. إنها جزء من عملية إعادة ترتيب للمنطقة بما يخدم مصالح القوى الكبرى، وليس بالضرورة مصالح اللاعبين الإقليميين الذين يظنون أنهم يشاركون في الصياغة.
إن إشراك الكرد كشريك استراتيجي يعكس فهماً جديداً لديناميكيات المنطقة، حيث لم يعد بالإمكان تجاهل الشعوب الأساسية التي تسعى لتقرير مصيرها. خلال فترة قصيرة، ستكون الخريطة منتهية، ويحصل كل من له حصة من النفوذ على الأرض. حينها، ستبدأ مرحلة الاستثمار وإعادة البناء، والتي هي في جوهرها عملية امتصاص للموارد بشتى الأساليب والطرق.
دورة تاريخية تتكرر، حيث تتغير الأدوات والواجهات، لكن الأهداف الاستراتيجية للقوى العظمى تبقى ثابتة، وهي الهيمنة والتحكم في مُقدرات المنطقة، مع فارق جوهري هذه المرة يتمثل في بروز الكرد كلاعب لا يمكن الاستغناء عنه في هذه المعادلة الجديدة.