No Result
View All Result
محمد عيسى
لم يكن مخيم الهول، منذ لحظة إنشائه الأولى مطلع تسعينات القرن الماضي، مساحة جغرافية أُقيمت على عجل لإيواء لاجئين فارّين من الحروب، بل كان مرآةً دقيقة لتحولات الشرق الأوسط العنيفة، وسجلًا حيًا لانهيارات الدول، وصعود المجموعات المتطرفة، وفشل المجتمع الدولي في التعامل مع النتائج بعيدة المدى للحروب التي أشعلها أو شارك فيها أو صمت عنها. فمنذ حرب الخليج الثانية عام 1991، مرورًا بالغزو الأميركي للعراق عام 2003، وصولًا إلى الأزمة السورية بعد 2011، ثم تمدد “داعش” وانهياره العسكري عام 2019، ظل الهول حاضرًا في قلب كل هذه التحولات، يتضخم مع كل أزمة، ويعيد إنتاج الخطر مع كل تجاهل دولي.
لكن الأخطر في قصة مخيم الهول لا يكمن فقط في تاريخه، بل في التحول الصامت الذي جرى خلال الفترة الأخيرة: كيف انتقل المخيم، في الخطاب الدولي، من “أخطر مخيم في العالم” إلى ملف هامشي، وكيف جرى التعامل معه كأنه خطر تمت السيطرة عليه، بينما تشير الوقائع والأرقام إلى العكس تمامًا.
من ملاذ للاجئين إلى خزان للأزمات الإقليمية
أُنشئ مخيم الهول في كانون الثاني 1991، قرب الحدود السورية ـ العراقية، في الهول التابعة للحسكة، ليكون واحدًا من ثلاثة مخيمات أُقيمت بشكل عاجل لاستقبال عشرات آلاف العراقيين الفارين من تبعات حرب الخليج الثانية، ومن القمع الذي مارسه نظام صدام حسين، إضافة إلى آثار الحصار الدولي الخانق. في تلك المرحلة، كان المخيم يُدار بصفته مرفقًا إنسانيًا مؤقتًا، ولم يكن أحد يتوقع أن يتحول لاحقًا إلى واحدة من أعقد القضايا الأمنية في العالم.
مع الغزو الأميركي للعراق عام 2003، عاد مخيم الهول إلى الواجهة، إذ استقبل موجات جديدة من اللاجئين العراقيين، معظمهم من المناطق الحدودية التي شهدت انهيارًا أمنيًا شاملًا. وبين عامي 2003 و2011، ظل المخيم يتوسع وينكمش تبعًا لتطورات المشهد العراقي، لكنه بقي، حتى ذلك الحين، ضمن الإطار الإنساني التقليدي.
التحول الجذري بدأ بعد عام 2014، مع صعود “داعش” وسيطرته على مساحات واسعة من سوريا والعراق. ومع بدء هزيمة المرتزقة عسكريًا بسواعد قوات سوريا الديمقراطية، خاصة بعد حملة الباغوز في ريف دير الزور الشرقي، تقرر عام 2018 تحويل مخيم الهول إلى مركز احتجاز فعلي لعائلات مرتزقة داعش، وهو القرار الذي غيّر طبيعة المخيم بالكامل.
عند اتخاذ قرار نقل عائلات “داعش” إلى مخيم الهول، قُدّر عدد القاطنين حينها بنحو عشرة آلاف شخص فقط. لكن مع تسارع العمليات العسكرية ضد داعش، وخصوصًا خلال حملة تحرير الباغوز في ربيع 2019، تضاعف العدد بشكل غير مسبوق، ليتجاوز 60 ألف شخص في ذروة تلك المرحلة.
وبحسب آخر إحصائية رسمية صادرة عن إدارة المخيم في آب 2025، يضم مخيم الهول اليوم:
نحو 13 ألف عراقي و15 ألف سوري.
6385 من نساء وأطفال مرتزقة داعش الأجانب، الذين ينتمون إلى أكثر من 50 دولة حول العالم.
هذه الأرقام مؤشرات أمنية خطيرة. فكل شخص أجنبي لم تتم إعادته إلى بلده الأصلي يمثل، وفق خبراء مكافحة الإرهاب، قنبلة زمنية مؤجلة. والأخطر أن آلاف الأطفال الذين دخلوا المخيم بين عامي 2018 و2019 وهم في سن الطفولة المبكرة، باتوا اليوم في سن المراهقة أو الشباب، وهي الفئة العمرية الأكثر عرضة للتجنيد الأيديولوجي.
الهول.. جامعة تطرف مفتوحة
لم يكن توصيف مخيم الهول على أنه «أخطر مخيم في العالم» توصيفًا إعلاميًا عابرًا أو مبالغة لغوية، بل خلاصة مسار طويل من التحذيرات التي أطلقتها الأمم المتحدة، ومنظمات دولية، وأجهزة استخبارات غربية، رأت في هذا المخيم نموذجًا مصغّرًا لإعادة إنتاج التطرف في أخطر صوره. داخل أسواره، لم تتشكل فقط أزمة إنسانية مركّبة، بل نشأت بنية اجتماعية موازية، تقودها نساء متشددات ما زلن متمسكات بعقيدة مرتزقة داعش، يعملن على فرضها بالقوة والترهيب على الأخريات، في مشهد يعكس استمرار الفكر المتطرف رغم الهزيمة العسكرية لداعش.
على مدى السنوات الماضية، تحوّل المخيم إلى ما يشبه «جامعة تطرف» مفتوحة، شهد مئات حالات القتل، وحرق الخيام، وعمليات تصفية داخلية بحق نساء رفضن الانصياع، إضافة إلى اعتداءات متكررة على العاملين في المنظمات الإنسانية. كما وثّقت تقارير أمنية وجود شبكات تهريب منظمة، ومحاولات هروب جماعية، وقنوات تواصل نشطة مع خلايا داعش النائمة خارج المخيم، ما جعل منه خزانًا بشريًا قابلًا للانفجار في أي لحظة.
كل هذه الوقائع رسّخت، لسنوات، إجماعًا دوليًا على أن الهول قنبلة مؤقتة. لكن؛ هذا الإجماع بدأ يتلاشى فجأة، واختفى توصيف «الخطر العالمي» من الخطاب الدولي، دون أي تغيير حقيقي في بنية المخيم أو في طبيعة التهديد الكامن داخله.
نقطة التحول الأخطر جاءت مع انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من إدارة مخيم الهول، وتسليمه للحكومة السورية المؤقتة دون الإعلان عن أي خطة انتقالية واضحة. ووفق بيانات “قسد”، لم يكن هذا الانسحاب قرارًا معزولًا، بل جاء نتيجة اللامبالاة الدولية تجاه ملف داعش، وفشل المجتمع الدولي في تحمّل مسؤولياته، إضافة إلى تصاعد الهجمات التي شنّتها الحكومة الانتقالية ومجموعاتها المرتزقة على مناطق شمال وشرق سوريا، ما اضطر قوات سوريا الديمقراطية إلى إعادة انتشارها لحماية المناطق ذات الغالبية الكردية من مخاطر أمنية متزايدة.
الفراغ الأمني الناتج لم يبقَ في إطار التحذيرات النظرية، بل تُرجم سريعًا على الأرض عبر حرق نقاط إدارية، والاعتداء على منشآت إنسانية، وتصاعد نشاط الخلايا المتطرفة داخل المخيم، بالتزامن مع انسحاب شبه كامل للمنظمات الدولية وغياب واضح للتحالف الدولي، الذي كان حتى وقت قريب يرفع شعار «منع عودة داعش»، قبل أن يختفي بصمت عن أخطر ساحاته.
وفي تصريحات خاصة لصحيفتنا “روناهي” قال الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب أحمد سلطان، إن مخيم الهول يمثل واحدة من المعضلات غير المحلولة التي نتجت عن هزيمة داعش، مشيرًا إلى أن التعامل معه من قبل المجتمع الدولي لم يكن الأمثل. وأضاف سلطان: “تم طرح العديد من المبادرات لإعادة المحتجزين من المخيم، بما في ذلك الأطفال التابعون لداعش، إلا أن هذه المبادرات لم تلقَ تجاوبًا جديًا من الدول المعنية”.
وأوضح أن قوات سوريا الديمقراطية كانت، بحكم الواقع، الجهة المسؤولة عن المخيم، لكنها كانت تواجه قيودًا كبيرة على مستوى القدرات الذاتية، مؤكّدًا: “خصصت قوات سوريا الديمقراطية جزءًا كبيرًا من مواردها لهذا المخيم، لكنها لم تتلق الدعم المطلوب من الدول التي يفترض أن لها محتجزين فيه. طوال الوقت، كان هناك تهرّب من مناقشة الحل الحقيقي لأزمة المخيم، ولم يكن هناك من يسعى لجعل الهول مسألة منتهية، بل كانت تُسوَّف باستمرار”.
وأشار سلطان إلى أن الوضع تغيّر بعد هزيمة داعش في آذار 2019: “لم يعد داعش يشكّل تهديدًا مباشرًا لدول الجوار أو للمصالح الأمريكية والغربية، وهذا أدى إلى نوع من التجاهل والإهمال في ملف المخيم. على الرغم من أن داعش لم يعد يمتلك خلايا نشطة كما في السابق، فإن هذا لا يعني انتهاء الخطر. داعش يظهر في بقع أخرى من العالم، كما نراه في أفريقيا وآسيا، ووجوده في سوريا والعراق هو جزء فقط من الانتشار العالمي. قضية المخيم وأسرى داعش تُستخدم من قبل داعش كأداة لحشد المرتزقة وتجديد الأفكار المتطرفة، بما في ذلك فكرة الثأر والتجنيد”.
وأكد سلطان أن التعامل مع أزمة مخيم الهول لم يكن متناسبًا مع حجم الأزمة الفعلية، قائلاً: “مسؤولية التحالف الدولي كانت محكومة بحسابات سياسية، وتم تأجيل الملف والتهرب منه. بدلاً من الوصول إلى حل نهائي، ارتضى التحالف بقيادة أمريكية بحل مؤقت، رغم أن المخيم ما زال يشكّل معضلة كبيرة. المعلومات الاستخبارية تشير إلى أن داعش ما زال ضعيفًا ولم يستعد نشاطه الكامل، ولم تُبذل جهود كافية لإيجاد حل دائم وآمن للمخيم”.
ولفت سلطان إلى أن المجتمع الدولي لم يتعامل مع المخيم عبر برامج نزع التطرف أو إعادة التأهيل، وقال: “حتى المبادرات التي قامت بها قوات سوريا الديمقراطية كانت محدودة التأثير بسبب نقص الموارد. ونتيجة لذلك، تحول المخيم إلى بيئة يمكن أن يُحتفظ فيها بأسر داعش من النساء والأطفال لفترة طويلة، ما يتيح لداعش إعادة إنتاج جيل جديد، أي أن المخيم أصبح بمثابة ولاية جديدة لداعش تنتظر أن ينبعث مرة أخرى”.
واختتم الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب أحمد سلطان تصريحاته بالتأكيد على أن فكرة تحويل المخيم إلى معتقل دائم لم تلقَ قبولًا دوليًا، مضيفًا: “الدول الكبرى تنصلت من مسؤولياتها في استعادة عناصرها، واكتفت بالحل المؤقت والشبه دائم. ومع ذلك، فإن التداعيات الأمنية ستطال الجميع، لأنه لا يوجد فراغ أمني، والفراغ الذي رفضت الدول ملؤه سيملأه داعش بنفسه”.
خطاب الطمأنة… وواقع مغاير
في مواجهة هذا الانفلات المتصاعد داخل مخيم الهول، سارعت وزارة الداخلية التابعة للحكومة المؤقتة إلى إطلاق خطاب طمأنة، معلنة تشديد الإجراءات الأمنية حول المخيم، وضبط مداخله ومخارجه، ونافية وجود أي فراغ أمني. غير أن هذا الخطاب، وفق مراقبين، يلامس القشرة الخارجية للمشكلة ولا يقترب من جوهرها. فالهول ليس مجرد مساحة محاطة بالأسوار يمكن ضبطها بالحواجز والدوريات، بل كيان أمني واجتماعي بالغ التعقيد، تتشابك داخله شبكات أيديولوجية، وعلاقات قسرية، وبُنى سرّية تشكّلت على مدى سنوات من العنف والتطرف.
التحكم بالمحيط لا يعني السيطرة على الداخل. إدارة مخيم بحجم الهول، الذي يضم عشرات آلاف القاطنين من خلفيات متعددة، بينهم آلاف المتشددين عقائديًا، تتطلب جهازًا أمنيًا متخصصًا في مكافحة التطرف، يمتلك خبرة ميدانية طويلة، وقدرات استخباراتية دقيقة، إضافة إلى موارد بشرية ومادية ضخمة تتيح المتابعة اليومية، والتدخل السريع، وبرامج التفكيك الفكري. وهي شروط يرى خبراء أنها غير متوفرة في ظل الأزمات الاقتصادية والأمنية المتراكمة التي تعاني منها الحكومة المؤقتة، والتي بالكاد تملك القدرة على ضبط مراكز حضرية مستقرة، فكيف بمخيم يُعد الأخطر في العالم؟
غير أن الخلل لا يقتصر على محدودية الإمكانيات المحلية، بل يتجاوزها إلى صمت دولي لافت. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط عن مستقبل مخيم الهول، بل عن التحول المفاجئ في الخطاب الدولي. كيف انتقل المخيم، خلال فترة قصيرة، من كونه تهديدًا عالميًا يستدعي اجتماعات وتحذيرات أممية، إلى ملف ثانوي غائب عن أولويات التحالف الدولي؟ ولماذا اختفى هذا التحالف تحديدًا في اللحظة التي بلغ فيها الوضع داخل المخيم درجة غير مسبوقة من الهشاشة؟
يرى مراقبون أن ما يجري هو محاولة مقصودة لإسدال ستار “اللا خطورة” على الهول، بعد انتقال إدارته للحكومة السورية المؤقتة، لتفادي الإحراج السياسي، وتخفيف الضغط عن الدول التي ترفض حتى اليوم استعادة رعاياها من نساء وأطفال داعش. لكن؛ الوقائع على الأرض تشير إلى أن الخطر لم يُلغَ، بل أُعيد إنتاجه بصيغة أكثر غموضًا. فمخيم الهول يقف اليوم على حافة سيناريو انفجاري جديد، قد لا تنحصر تداعياته داخل الجغرافيا السورية، بل تمتد إلى الإقليم والعالم، في لحظة لم يعد السؤال فيها: هل الهول خطر؟ بل: من سيتحمل مسؤولية انفجاره المقبل، ومتى؟
No Result
View All Result